
لآلئ بأقلامهم (41)
(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ر)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*ظل يفكر بصمت وعناد، وأخذ يغيب أكثر كلما قل عدد القطع على الرقعة في الحركة الثانية والأربعين بعد مرور ثلاث ساعات إلا ربع ساعة، كنا نجلس حول الطاولة متعبين نتابع دون حماس، وكان أحد الضابطَين قد غادر والآخر جلس على جانب ليقرأ كتاباً ولا ينظر إلا سريعاً إذ ما طرأ تغيير، ثم حدث ما لم يكن متوقعاً وتشينتوفيتش ينفذ دوره. تو ما لاحظ الدكتور (ب) أن تشينتوفيتش يضع يده على الحصان ليتقدم به جلس جائماً كالقط قبيل الوثب وبدأ جسمه يرتعش وفور تنفيذ تشينتو فيتش الحركة، قدم الوزير بحزم وصاح منتصرا: (لقد تم! انتهى!) ، وعاد للوراء لیستند، وذراعاه معقودتان أمام صدره وهو ينظر متحدياً إلى تشينتوفيتش والنار تلمع في عينيه فجأة.
*انكفأنا تلقائياً على الرقعة لنتفقد هذا النصر الذي أعلنه علينا، فلم تر أول الأمر أي تهديد سافر، إذن، انسحب قول الصديق على تطور لا يدركه أمثالنا من المبتدئين قصار النظر. وحده تشينتوفيتش الذي بقي لا يتحرك غير آبه لهذا الإعلان المتحد، يجلس لا يهتز وكأنه لم يسمع (انتهى) المهينة قط.. لا شيء يحدث بدأنا، بينما نكتم أنفاسنا، نسمع دقات الساعة التي وُضعت على الطاولة لتحديد الوقت بين كل حركة وحركة. مرت ثلاث دقائق، ثم سبع، ثم ثمان وتشينتوفيتش لا يحرك ساكناً، رغم أنه خُيل إليّ أن جهداً داخلياً جعل سعة منخاريه السميكتين تتضخم، بدا أن صديقنا ضاق بهذا الانتظار الصامت مثلنا؛ إذ نهض فجأة وبدأ يقطع غرفة التدخين ذهاباً وإياباً، ببطء بادئ الأمر لكن مع خطى متسارعة أكثر فأكثر.
*نظرنا كلنا إليه بشيء من الاستغراب لكن لم ينتب أحد قلق أكبر مني؛ لأنني لاحظت أن خطاه رغم حدتها لم تتعد إلا الحيز نفسه من القاعة، وكأن هناك حاجزاً غير مرئي منصوباً في منتصف القاعة الفارغة يجبره في كل مرة على تغير الاتجاه. فهالني بمزيد من الفزع أنه يكرر مشيته كما فعل في زنزانته القديمة؛ هكذا بالضبط إذن كان يمشي خلال حبسته لشهور، ذهاباً وإياباً؛ كالحيوان المحبوس في القفص، يداه متشنجتان وكتفاه غائران.
نهاية المداد:
ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقّدة.
وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة.
إن الانحياز الفنّي الحقيقي هو:كيف يستطيع الإنسان أن يقول الشيء العميق ببساطة.
(غسان كنفاني)