بروفيسور سعدابي: إستلمت المحطة ومشروعها الزراعي يباب وحظائرها مُشلعة
- أول وصولي شاهدت الأبقار الجائعة تتصارع على أعواد القصب وكان ذلك مؤشر عملي لإنهيار المحطة
- مسؤولو جنوب الفونج بسنجة رجال أشهد لهم بحسن الخُلق وصدق الأداء
حوار ــ التاج عثمان:
من خلال الحلقات الثلاث السابقة والتي جاءت تحت عنوان: (تفاصيل وأسباب إنهيار محطة أبحاث لأم بنين.. أكبر واهم مركز بحثي للحيوان في السودان) تناولنا جانب من الأسباب والملابسات التي تسببت في إنهيار بل (موت) هذه المحطة البحثية والتي كانت تعد أهم وأكبر محطة أبحاث للثروة الحيوانية ليس في السودان فحسب بل بكل افريقيا والشرق الأوسط.. ومن خلال الحوار التالي نلتقي البروفيسور (محي الدين حسن عبد الرحمن سعدابي) العالم الخبير في الإنتاج الحيواني ــ فسيولوجيا التناسل وعلم السلالت ــ مدير محطة ام بنين لبحوث الإنتاج الحيواني 1988 وأجريت معه هذا الحوار والذي كشف المزيد من المعلومات والحقائق الغائبة عن محطات أبحاث الثروة الحيوانية بالتركيز على محطة أبحاث أم بنين
*متى إستلمت عملك كمدير لمحطة ام بنين؟

ــ بعد العودة من البعثة في نوفمبر 1987م وفي يناير 1988م تم نقلي مديرا لمحطة بحوث الإنتاج الحيواني ام بنين، وبعد اخذ ورد مع مدير عام الإدارة العامة لأبحاث وخدمات الإنتاج الحيواني والسادة وكيل أول و وزير الثروة الحيوانية، والحصول علي وعود صادقة بتوفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل المحطة، حيث علمت من مديرها وحسب التقارير الشهرية ومكاتبات مع إدارة شئون المحطات ان المحطة عبارة عن ركام لا إمداد للمياه الصالحة للشرب سواء للحظائر او المنطقة السكنية لأن خزان مياه الشرب (5) الف جالون، أصبح عبارة عن هيكل مفكك من كل الجوانب، اما المياه التي تضخ من الطلمبة (4) بوصة تتسرب مباشرة علي الأرض لذا يحتاج للصيانة والتأهيل أو شراء خزان جديد.. اما الحظائر فحدث ولا حرج فهي من المواد المحلية مُشلعة تماما، والمحلب الآلي تم تفكيكه ولا يعرف أين معداته، ومعمل التغذية تم العبث بمعداته، ومكاتب الإدارة والمكتبة والمباني السكنية خاصة المنزل المخصص للمدير واستراحة كبار الزوار الملحقة به أصبحت مسرحا لحشرة الأرضة وقناطيرها تغطي كل مكان.. المشروع الزراعي يباب، البيارة ساكنة صامتة، وخط السحب يعاني الهلاك، والورشة عبارة عن مقبرة للآليات والمعدات والجرارات الزراعية، ووسائط النقل وعربات النقل، بكس دبل كابن مخصص للمدير، ولوري اوستن، ولوري داف، جميعها تعاني الكساح.
الإثنين 4 ابريل 1988 م الثامنة صباحا غادرت الخرطوم بعربة بروف، سيد احمد الشفيع، المدير العام للإدارة، بقيادة السائق أحمد متوجها نحو ام بنين لإستلام عملي كمدير للمحطة.. هنا لا بد
من ذكر الملاحظات المؤسفة التالية التي شاهدتها فعلي طول جانبي الطريق من اللافتة (مرحبا بكم في الجزيرة) وحتى ام بنين، لا يوجد أي أثر للخضرة او حتى علي الأشجار، حواشات مشروع الجزيرة على مستوي كل الأقسام
تعاني الجفاف والتصحر، الهزال والضعف الواضح على الحيوان ماشية ومجترات صغيرة.
الطريق عبارة عن مقبرة فهياكل وجثث الحيوان على طول الطريق
.. من اول نظرة تستدل بان هذه الحيوانات قد نفقت نتيجة للجوع من تيبس الجلد على العظام
عند نهاية طريق الأسفلت بسنجة وبداية طريق الردمية كان هناك لوري داف يسير امامنا حاملا رؤوس قصب السكر، وذكر السائق، أحمد، ان القصب يتبع للمحطة لتغذية القطيع بالمحطة، فطلبت من السائق الا يتخطى اللوري الداف.
ولعمري هذا المنظر لم ولن يفارق مخيلتي طيلة حياتي عند دخول الداف لمجمع الحظائر تجمعت الأبقار الجائعة ــ والله على ما أقول شهيد ــ فكانت تحاول برؤوسها وقرونها المصارعة للحصول على الجزء الأخضر من أعواد القصب.. إنها سنوات الجفاف والتصحر التي يحكي فيها ان الإنسان كان يحفر بيوت النمل ليحصل على ما بها من مخزون حبيبات الذرة.. وفور وصولي المحطة تمت إجراءات التسليم
والتسلم بيني وبين دكتور، مصطفى ماهر، بحضور د. محمد احمد عيساوي، من إدارة شئون المحطات بكل سهولة ويسر.
*ما هي خطتك لإدارة المحطة فور تقلدك لمنصب المدير؟

ــ فورا بعد التسليم والتسلم أعددت خطة عاجلة لإعاده التأهيل والصيانة العاجلة، حيث بدأت بزيارة سنجة والإلتقاء بالمفتش البيطري لمنطقة جنوب الفونج بسنجة، د. محمد حسب الله، والذي ذهب معي وقدمني للسيد، عوض حسن يس، ضابط تنفيذي جنوب الفونج فرحب بي موضحا ان كل إمكانات جنوب الفونج تحت تصرفي، ومن حسن الحظ وعند وصولنا لمكتبة كان هو وطاقم إدارات ومصالح جنوب الفونج في إجتماع بمكتبه فقدمني للجميع، وكانت النتيجة ان مدير الأشغال تعهد بصيانة المنزل خلال عشرة أيام لأحضر اسرتي فورا ودون أي تكلفة او مطالبة بينما تعهد مدير إدارة البترول بتوفير (4) ألف جالون جازولين فورا والبقية بعد دفع قيمة التكلفة المالية.. أما مدير عام الزراعة فتكفل بمدنا بـ(25) جوال تقاوي ابوسبعين.. والتزم المدير الزراعي لمشاريع النيل الأزرق سنجة بالجرارات والمعدات الزراعية اللازمة لزراعة خمسون فدان من أراضي المشروع وفورا.. اما فيما يختص بمياه الشرب وصيانة الصهريج فهذه كما ذكر لي الجميع انها من إختصاص هيئة توفير المياه بسنار ومديرها المهندس، سوار، وهو من أبناء دار عقيل، اداري ممتاز ولن يبخل بشيء، وفعلا بعد مقابلتي له بمكتبة بسنار ثاني يوم رحب بي وإستدعي فريق متكامل للقيام بأعمال التأهيل والصيانة على ان يتم خصم التكلفة من إعتمادات الهيئة للصيانة والتأهيل المرصودة بحساب الحكومة المركزي وفعلا تم ذلك.
وقبل نهاية اليوم ومن خلال جهاز اللاسلكي التابع للأوبئة إتصلت على بروف، الشفيع، موضحا ما تم وان عليه مخاطبة المالية لتوفير إعتماد مالي في حدود الـ(50) ألف جنيه سوداني لمقابلة هذه الإلتزامات.. واستأذنته ان العربة المخصصة له كمدير عام سوف تبقي معي لمدة (15) يوم لأتحرك بها وأعود بها للخرطوم لترحيل أسرتي بعد ذلك بعربتي الخاصة فوافق على طلبي.. تخيل هذا هو السودان، وقادة وقيادات الخدمة المدنية آنذاك، رجال أشهد لهم بحسن الخلق وصدق الأداء.
الحلقة القادمة:
ــ (أصداء سودانية) تكشف الأسباب الحقيقية لإحتراق طلمبة بيارة مشروع محطة أبحاث ام بنين.
ــ بروفيسور سعدابي.. إنهيار المحطة بدأ عام 1985 بعد مغادرة الكفاءات السودانية للسعودية.
ــ الميكانيكي كبير السن الذي تفوق على خريجي كليات الهندسة وأعاد المياه لمجاريها بالمشروع خلال 48 ساعة فقط.