مشاهد من عمق المعاناة …(من المسافة صفر) … ِِِِحيث يشتد الألم تولد الحكايات
رصد : زلال الحسين
رغم كل ما يحيط بالذاكرة من وجع، تم تدشين كتاب (من المسافة صفر) للكاتبة سلوى حسن صديق، وسط حضور لافت ضم صفوة من الإعلاميين والمنتجين والمهتمين بالشأن الثقافي، في فعالية تشكل إلتقاط ما تبقى من الحكايات قبل أن تذروها رياح الحرب.
الكتاب، الذي يحمل عنوانًا كثيف الدلالة، يغوص في تفاصيل النزوح من السودان إلى مصر، مستعرضًا 31 قصة كُتبت من قلب التجربة، حيث لا مسافة بين الألم والإنسان، ولا فاصل بين الذاكرة والواقع. قصص تشبه أصحابها… مكسورة أحيانًا، لكنها مفعمة بالحياة.
وفي حديثها ل (أصداء سودانية)، وصفت الكاتبة عملها بأنه (مولودها السابع)، مضيفة أنها أم لثلاثة أبناء وثلاث بنات، ليأتي هذا الكتاب كابنٍ آخر، لكنه من نوع مختلف… ابن وُلد من رحم الحرب، ومن تفاصيلها الثقيلة.
وقالت إن (من المسافة صفر) لم يكن مجرد مشروع كتابي، بل تعبير صادق عن حالة عاطفية عميقة عاشتها، وعن تأثيرات الحرب وما حملته من أسئلة حول الزمان والمكان، والانتماء، والفقد. وأشارت إلى أن النصوص خرجت بروح إنسانية خالصة، حاولت من خلالها أن تلامس مشاعر كل من عاش التجربة أو اقترب منها
ويمضي الكتاب في مساحاته بين حكايات النزوح، ووجوه العابرين، وأصوات المدن اتي تغيّرت، ليصنع أرشيفًا إنسانيًا لا يوثق الحدث فقط، بل يلتقط الإحساس به… ذلك الإحساس الذي لا يُقال بسهولة، لكنه يُكتب حين تضيق اللغة بالكتمان.
ولم يكن الحضور في حفل التدشين مجرد مشاركة احتفالية، بل بدا كأنه اصطفاف حول الذاكرة، ومحاولة لإسناد الحكايات التي كادت تضيع، حيث تفاعل الحضور مع مقاطع من الكتاب، في لحظات امتزج فيها الصمت بالتأثر، والكلمات بالدموع المؤجلة.
(من المسافة صفر) ليس فقط عنوانًا لكتاب، بل حالة… لحظة يتساوى فيها كل شيء: البداية والنهاية، الرحيل والبقاء، الألم والأمل. كتاب يذكّر بأن الحكايات، مهما كانت موجعة، تظل الطريق الأصدق للنجاة… ولإعادة ترتيب القلب بعد كل هذا الخراب سيرة الكاتبة (تتحط بعد الفقرة الأساسية عنها مباشرة)
تُعد الدكتورة سلوى حسن صديق من الأسماء الأكاديمية والإعلامية البارزة، حيث تحمل درجة الدكتوراه في اتجاهات الصحافة المتخصصة في تعزيز مفهوم النوع من جامعة أم درمان الإسلامية، إلى جانب درجة الماجستير في صحافة العالم الإسلامي، مع دراسة تطبيقية على مجلة “العالم” اللندنية. كما تمتلك خبرات واسعة في العمل الصحفي والإعلامي، ما انعكس على أسلوبها الذي يجمع بين الحس الإنساني والوعي المهني.
وشهدت فعالية تدشين الكتاب تفاعلاً لافتًا من عدد من المعلقين والمهتمين بالشأن الثقافي، حيث تنوعت الآراء بين القراءة النقدية والدعم الإنساني العميق للعمل. ومن بين المتحدثين، قال الأستاذ سيف الدين حسن لـ“أصداء سودانية” إن عنوان الكتاب “المسافة صفر” يحمل دلالة قوية، إذ يشير إلى لحظة المواجهة المباشرة مع الحقيقة، تلك النقطة التي تسقط فيها كل المسافات بين الإنسان والخطر، وبين الإنسان وذاته.

وأضاف أن الكتاب يلامس تفاصيل يومية دقيقة لأشخاص خاضوا تجارب حقيقية خلال الحرب، ما يمنحه صدقًا خاصًا يميّزه عن كثير من الأعمال الأخرى. وأشار إلى أن الكتاب يأتي ضمن سياق متنامٍ من الإصدارات التي تناولت حرب السودان منذ أبريل 2023، لافتًا إلى عدد من الأعمال المهمة التي وثّقت هذه المرحلة، من بينها كتاب “سيرة حرب أبريل( للدكتور صلاح الزين، الذي تناول الحرب بشكل مباشر وقدم قراءة تحليلية عميقة لتأثيراتها، إلى جانب كتاب “السودان: الحرب وحروب نحو أفق جديد) للدكتور صلاح عوض عمر، والذي ركّز على التوازنات السياسية والعسكرية.
كما أشار إلى كتاب “انتهاكات حرب أبريل” للدكتور غازي جابر، الذي وثّق الأحداث الميدانية بشكل مباشر، وكتاب الدكتورة شيماء فاروق حول تصاعد الحرب في السودان وأسبابها وتداعياتها، مؤكدًا أن هذه الإصدارات، والتي تقارب العشرة أعمال، شكّلت أرشيفًا معرفيًا مهمًا لفهم ما جرى.
ورأى سيف الدين أن ما يميز كتاب الدكتورة سلوى حسن صديق هو أنه كُتب من زاوية مختلفة تمامًا، من داخل التجربة ذاتها، لا من خارجها، حيث يحمل صوت إنسان عاش الأحداث بكل تفاصيلها، لا مجرد مراقب لها.
وأضاف، بحكم خبرته كمخرج ومنتج، أن هذه القصص تمتلك بعدًا بصريًا قويًا، ويمكن أن تتحول إلى عمل وثائقي أو مشروع مرئي لقصص قصيرة، يقدم معادلًا بصريًا لما حملته النصوص من عمق إنساني، خاصة أنها كُتبت من زاوية شعورية صادقة وقريبة من الناس.
وجاء إصدار الكتاب بدعم من أصداء سودانية، إلى جانب منظمة إسناد لدعم السودانيين المتأثرين بالحرب، في إطار الجهود الرامية لتوثيق التجارب الإنسانية وتسليط الضوء على قصص النزوح والمعاناة