
برلين .. (السم في الدسم) و إختراق السيادة السودانية تحت غطاء الإنسانية
دكتور محمد الزين محمد
*يواجه السودان في10 – 15 أبريل 2026 فصلاً جديداً من فصول التآمر الدولي الذي يتخذ من العمل الإنساني ستاراً كثيفاً لتمرير أجندات سياسية مشبوهة، إن مؤتمر برلين المزمع عقده، والذي يأتي في الذكرى الثالثة لإندلاع الحرب والعدوان الأجنبي على السودان، لا يمكن قراءته إلا كونه محاولة (هندسة سياسية) خارجية تهدف إلى تقويض سيادة الدولة السودانية وشرعنة مليشيا الجنجويد المتمردة وإعادتها مع واجهاتها المدنية (جماعات تأسيس وصمود) إلى المشهد السياسي من باب الإفلات من العقاب.
*أولاً: الأبعاد القانونية.. انتهاك صارخ لمواثيق الأمم المتحدة: من الناحية القانونية، يقوم مؤتمر برلين على سابقة خطيرة في القانون الدولي، وهي تجاوز الدولة القائمة واستبعاد حكومتها الشرعية من نقاشات تخص مصيرها، و إن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد في مادته الثانية على مبدأ السيادة المتساوية لجميع أعضائها، وعدم التدخل في الشؤون التي تدخل في صميم السلطان الداخلي للدول.
*إن عقد مؤتمر دولي للسودان في غياب السودان الرسمي هو اعتداء صريح على الشخصية الاعتبارية للدولة، وهذا التغييب المتعمد يهدف قانوناً إلى خفض مكانة الدولة السودانية تدريجياً لتصبح مجرد طرف من أطراف النزاع مساوٍ للمليشيا الإرهابية، مما يمهد الطريق لفرض (وصاية دولية) مقنعة وسحب بساط الشرعية من تحت أقدام المؤسسات الوطنية.
*ثانياً: الأبعاد السياسية.. إعادة تدوير (الجنجويد) ومحور الإرتهان: تكشف تحضيرات المؤتمر والدعوات للاحزاب والمنظمات والشخصيات والجهات الراعية والممولة ، بدعم من أطراف إقليمية كالإمارات وتشاد وإثيوبيا عن خطة تهدف إلى: شرعنة مليشيا المدعم السريع من خلال محاولة فرض (هدنة عسكرية) تمنح المليشيا فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع بعد خسائرها الميدانية، وتصويرها كشريك سياسي لا غنى عنه في مستقبل البلاد .ومن جانب ثاني، إحياء النخب المستوردة يسعى المؤتمر لصناعة (بدائل سياسية)عبر استضافة مجموعات تأسيس وصمود ومنحها تفويضاً دولياً لا تملكه شعبياً، لتكون هي الواجهة المدنية التي تضمن استمرار مصالح الدول الإقليمية وعلى رأسها الإمارات في الموارد السودانية والموقع الاستراتيجي. ثالثا، تفتيت الدولة، حيث إن الحديث عن ترسيم حدود أطراف الحرب وإشراك المجتمع المدني المنتقى يصب في خانة تحويل السودان إلى (كانتونات) متصارعة، تدار عبر ريموت كنترول خارجي، تماماً كما فعل مؤتمر برلين 1884 الذي قسم أفريقيا في غياب الأفارقة.
*ثالثاً: البعد الإنساني.. (السم في الدسم) والتسييس القبيح: يدعي المنظمون أن الهدف هو حشد الدعم الإنساني، ولكن الحقيقة هي إستخدام جوع ومعاناة السودانيين كأداة ضغط سياسي، و إن أي جهد إنساني صادق لا يمكن أن ينجح في غياب التنسيق مع الدولة ذات الشرعية والمشروعية التي تسيطر على كل الأراضي ما عدا بعض بؤر التوتر التي يتواجد فيها المتمردين والمرتزقة ،ومن جانب آخر تأوي الدولة النسبة الأكبر من النازحين.
*إن هذا المؤتمر يمارس غسيلاً سياسياً لجرائم الحرب والعدوان، فبينما تتحدث التقارير الدولية عن جرائم المليشيا من اغتصاب وإبادة جماعية في دارفور والجزيرة، وجرائم حرب في ولايات الخرطوم وسنار و النيل الابيض والنيل الازرق وسنار وكردفان ، وتسيير مسيرات الموت التكتيكية والإستراتيجية الى بقية ولايات السودان ، تستهدف المدنيين ومحطات الكهرباء والمياة والمستشفيات والمدارس يأتي مؤتمر برلين ليضع هؤلاء الجناة على طاولة واحدة مع الضحايا تحت مسمى (الحوار الشامل)، وهو ما يمثل طعنة في خاصرة العدالة وجبر الضرر.
*رابعاً: معضلة البناء الوطني ودروس التاريخ: بالعودة إلى الذاكرة الوطنية السودانية، نجد أن (لحظات أبريل) كانت دائماً تعبر عن إرادة الشعب في التغيير 1985 2019 لكن مؤتمر برلين 2026 يحاول إختطاف هذا الرمز التاريخي وتحويله من (فعل وطني) إلى (إملاء خارجي)، إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم هو الإنتقال من منطق إسقاط الأنظمة إلى منطق بناء الدولة على أسس السيادة الكاملة.
*وخلاصة القول ، إن موقفي موقف وطني لا يقبل المساومة، و إن مؤتمر برلين هو (فخ سياسي) بامتياز، والنتائج المتوقعة منه لن تتجاوز إصدار بيانات فضفاضة تخفي وراءها ترتيبات كارثية.. إن المطلوب الآن هو
1- رفض شعبي ورسمي قاطع للمؤتمر بصيغته الإقصائية الحالية.
2- فضح الدور الإماراتي والإقليمي الذي يمول الحرب من جهة ويدعي رعاية السلام في برلين من جهة أخرى.
3- التمسك بمبدأ سودانية الحل-الملكية الوطنية؛ فالسيادة لا تباع في مزادات الدبلوماسية الأوروبية، والسلام الحقيقي لا يستورد في حقائب المبعوثين، بل يبنى بإرادة وطنية تحترم المؤسسات وتحاسب المجرمين.
*إن السودان ليس (أرضاً بلا صاحب)، ولن يسمح الشعب السوداني بإعادة إنتاج (سايكس بيكو) جديد في برلين، ولن يكون ثمن الرغيف هو التنازل عن كرامة الوطن وسيادته.