آخر الأخبار

العلاقات السودانية المصرية …ملف السجناء والموقوفين في مصر(3-5)

أصداء  من الواقع ومن أجل مستقبلٍ واعد 

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*يُعدّ ملف السجناء والموقوفين السودانيين في جمهورية مصر العربية من أكثر القضايا حساسيةً وتعقيداً في مسار العلاقات السودانية المصرية، إذ يتقاطع فيه القانوني بالإنساني، ويتداخل فيه ما هو سيادي بما هو أخلاقي، في سياق إقليمي استثنائي فرضته الحرب وتداعياتها.

*ومن حيث المبدأ، فإن لكل دولةٍ الحقّ الكامل في بسط سيادتها على أراضيها، وتطبيق قوانينها، وتنظيم وجود الأجانب وفق أنظمتها المعتمدة، وهو حقّ أصيل لا جدال فيه ولا ينتقص منه أي اعتبار. غير أنّ الحكمة في إدارة هذا الملف تكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين صرامة القانون وروح العدالة، وبين مقتضيات النظام ومقتضيات الرحمة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي دفعت بآلاف السودانيين إلى اللجوء إلى مصر.

*لقد وجد كثير من السودانيين أنفسهم، بفعل الحرب، في أوضاع قانونية معقّدة لم تكن خياراً بقدر ما كانت اضطراراً؛ فمنهم من دخل البلاد دون استكمال الإجراءات، ومنهم من انتهت إقامته دون القدرة على التجديد، ومنهم من ألجأته ظروف قاهرة إلى الفرار دون ترتيبات مسبقة.. وهذه الحالات، في مجملها، لا يجوز النظر إليها بعينٍ واحدة، بل تستوجب قراءة متأنية تُفرّق بين الدوافع والملابسات.

*فليس من الإنصاف أن يُساوى بين من دفعت به نيران الحرب إلى البحث عن مأمن، أو حمله المرض إلى طلب العلاج، وبين من تعمّد مخالفة الأنظمة أو استغلالها.. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة، لا تُغفل سيادة القانون، لكنها في الوقت ذاته لا تُغفل إنسانية الإنسان.

*إن استمرار احتجاز أعداد من السودانيين على خلفيات إجرائية أو مخالفات تتعلق بالإقامة، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، ليس من باب التشكيك، بل من باب الحرص على تطوير الأداء وتعزيز العدالة.. هل أُخذت الظروف الاستثنائية للسودان بعين الاعتبار؟..هل أُتيحت فرص كافية لتسوية الأوضاع بوسائل قانونية مرنة؟..هل توجد آليات واضحة وفعّالة للتظلم ومراجعة الحالات؟.

*إن طرح هذه التساؤلات إنما يعكس رغبة في الوصول إلى أفضل الصيغ التي تضمن حسن تطبيق القانون دون أن تُثقل كاهل الإنسان بآثار لا تتناسب مع ظروفه.. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى جملة من المعالجات العملية التي قد تُسهم في إدارة هذا الملف بصورة أكثر توازناً وفعالية.

*أولاً: تفعيل مسارات قانونية لتقنين الأوضاع: من خلال إتاحة فرص واضحة ومنظمة لتوفيق أوضاع المخالفين، خاصة من لا يشكلون أي تهديد أمني، عبر برامج تصحيح أوضاع تراعي خصوصية المرحلة.

*ثانياً: تسريع إجراءات التقاضي والمراجعة وذلك بتحديد أطر زمنية معقولة للفصل في القضايا، بما يحول دون إطالة فترات الاحتجاز دون مبرر قانوني كافٍ.

*ثالثاً: تعزيز التنسيق القنصلي والمؤسسي بين الجهات السودانية والمصرية، لضمان المتابعة الدقيقة لأوضاع الموقوفين، وتقديم الدعم اللازم، والعمل على تيسير إجراءات الإفراج أو الترحيل وفقاً للقانون.

*رابعاً: إعلاء الاعتبار الإنساني في الحالات الخاصة لا سيما المرضى وكبار السن والأسر، حيث ينبغي أن تكون المعالجة أكثر رحمة ومرونة، بما ينسجم مع القيم الإنسانية الرفيعة.

*خامساً: إغلاق منافذ الاستغلال والوساطة غير الرسمية عبر توفير قنوات رسمية شفافة وواضحة، تحمي ذوي الموقوفين من الوقوع ضحية للابتزاز أو الوعود الوهمية.

*إن الغاية من هذه المقترحات ليست تجاوز القانون أو الالتفاف عليه، بل ترسيخ عدالته، بحيث يظل القانون أداة للإنصاف والتنظيم، لا وسيلة للضغط أو الإضرار غير المتناسب.

*وإذا كانت العلاقات السودانية المصرية قد صمدت عبر التاريخ أمام تحديات كبرى، فإنها اليوم أحوج ما تكون إلى استدعاء رصيدها من الثقة والتفاهم، لمعالجة مثل هذه الملفات بروح الشراكة والمسؤولية المشتركة. فوشائج القربى، ووحدة المصير، والتاريخ الممتد، كلها عوامل تفرض البحث عن حلول تحفظ كرامة الإنسان، وتصون هيبة القانون في آنٍ واحد.

*ولا شك أن المعالجة الرشيدة لهذا الملف ستنعكس إيجاباً على مجمل العلاقات بين البلدين، من خلال:

– تخفيف الاحتقان – تعزيز الثقة الشعبية- ترسيخ صورة العدالة- دعم الاستقرار الإقليمي.

*وفي الختام، يبقى الإنسان هو الغاية والوسيلة، وتظل العدالة الحقة هي التي تُنصفه في ضعفه قبل قوته، وتحتضنه في أزمته قبل استقراره.. فالعدل أساس الملك… والرحمة روح العدالة ووجهها الإنساني الأسمى.