آخر الأخبار

تحليل استراتيجي: إمكانية الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران والعوائق الدولية

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

لطالما كانت إيران محورًا مركزيًا في الصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وقد شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية توترًا طويل الأمد منذ الثورة الإسلامية عام 1979. تهديد الولايات المتحدة بتنفيذ ضربة عسكرية مدمرة لإضعاف إيران أو “إرجاعها إلى العصر الحجري”، كما يصفها بعض الخطاب الإعلامي والسياسي، يطرح أسئلة جوهرية حول القدرة الأمريكية على تحقيق هذا الهدف، والقيود التي تحد من تنفيذ مثل هذه العملية، بالإضافة إلى تأثير مواقف القوى الكبرى مثل روسيا والصين في كبح أو تحفيز أي عمل عسكري.

أولاً: القدرات العسكرية الأمريكية على مستوى الضربة

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية قدرات عسكرية ضخمة تجعلها، من الناحية النظرية، قادرة على توجيه ضربة مدمرة لإيران. هذه القدرات تشمل:
القوة الجوية والفضائية: تتمتع الولايات المتحدة بأسطول من الطائرات الحربية الاستراتيجية مثل B-52 وF-35، إضافة إلى الطائرات بدون طيار التي تستطيع تنفيذ ضربات دقيقة ضد منشآت عسكرية وصناعية حساسة.

الأسلحة الذرية والتقليدية عالية الدقة: يمكن توجيه صواريخ كروز وصواريخ باليستية مزودة برؤوس تقليدية مدمرة لتدمير البنية التحتية الحيوية في إيران، مثل المصانع النووية، والموانئ، ومراكز الاتصالات العسكرية.

القدرات البحرية: الأساطيل الأمريكية في الخليج العربي والمحيط الهندي توفر دعمًا لوجستيًا وتغطية بحرية لشن أي عملية واسعة النطاق، بما في ذلك حصار كامل للموانئ الإيرانية أو تدمير المنشآت العسكرية الساحلية.

العمليات السيبرانية والاستخباراتية: تملك الولايات المتحدة القدرة على شن هجمات إلكترونية تستهدف البنية التحتية للطاقة والاتصالات، ما يزيد من تأثير أي ضربة عسكرية تقليدية.

رغم هذه القدرات، فإن القدرة على “إرجاع إيران إلى العصر الحجري” تبقى وصفًا مبالغًا فيه، إذ تشير التقديرات العسكرية إلى أن مثل هذه الضربة لن تتمكن من القضاء على الإرادة الوطنية الإيرانية أو تدمير كامل للقدرات العسكرية التقليدية والطاقة البشرية الإيرانية.

ثانيًا: العوائق العسكرية والسياسية أمام الضربة

على الرغم من التفوق العسكري الأمريكي، هناك عدة معوقات رئيسية تحد من تنفيذ ضربة واسعة النطاق ضد إيران:
الموقع الجغرافي والتضاريس: إيران تمتلك تضاريس جبلية معقدة وأنفاقًا تحت أرضية لحماية مواقعها العسكرية الحساسة، ما يزيد من صعوبة تدميرها بشكل كامل.

القدرة الصاروخية الإيرانية: تمتلك إيران ترسانة صاروخية متقدمة قادرة على الوصول إلى قواعد أمريكية في المنطقة، بما في ذلك القوات في الخليج العربي وإسرائيل المحتملة. هذه الصواريخ تشمل صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى وصواريخ أرض-أرض قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنى التحتية الأمريكية أو حلفائها.

الانتقام الإقليمي: أي هجوم أمريكي قد يؤدي إلى تصعيد واسع في الشرق الأوسط، حيث تمتلك إيران ميليشيات وحلفاء في العراق ولبنان واليمن وسوريا، ما يهدد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

القيود القانونية والدبلوماسية: أي غزو شامل أو ضربة مدمرة تواجه مقاومة دولية كبيرة، بما في ذلك من الأمم المتحدة ودول الجوار، ما يزيد من التحديات السياسية والقانونية أمام واشنطن.

ثالثًا: تأثير القوى الكبرى – روسيا والصين

تُعد مواقف روسيا والصين حاسمة في أي قرار أمريكي بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران:

روسيا: تعتبر روسيا إيران حليفًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط، وتزودها بالأسلحة المتقدمة والتكنولوجيا العسكرية، كما تملك القدرة على استخدام مجلس الأمن الدولي لإصدار قرارات ضد أي هجوم أمريكي. روسيا أيضًا تستطيع التصدي عبر الأسلحة المضادة للطائرات والصواريخ، وإرسال مستشارين أو دعم عسكري محدود.

الصين: تلعب الصين دورًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا، فهي تعتمد على النفط الإيراني وتمتلك مصالح تجارية كبيرة في الشرق الأوسط. تهديد الصين بعقوبات اقتصادية أو دعم دبلوماسي لإيران يمكن أن يثني الولايات المتحدة عن أي تصعيد عسكري.
التوازن الاستراتيجي: تفرض روسيا والصين معًا نوعًا من “الردع الثنائي”، ما يجعل واشنطن تفكر مرتين قبل اتخاذ قرار بمهاجمة إيران بشكل شامل، خشية التصعيد إلى صراع أوسع يطال مصالحها في أوروبا وآسيا.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة للردع والتهديد

يمكن تقسيم تأثير الردع الدولي والإقليمي على الضربة الأمريكية ضد إيران إلى عدة سيناريوهات:

ردع نووي أو شبه نووي: إيران لم تعلن امتلاك أسلحة نووية، لكنها على شفا تحقيق برنامج نووي متقدم. أي هجوم أمريكي قد يدفع إيران للجوء إلى خيار “الردع النووي الرمزي”، مثل مهاجمة قواعد أمريكية أو حلفائها.

تصعيد ميليشياتي: تحرك حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن وسوريا لشن هجمات محدودة ضد مصالح أمريكية وإسرائيلية، مما يزيد من تكلفة أي ضربة أمريكية.

ضغوط دبلوماسية واقتصادية: تدخل الصين وروسيا في مجلس الأمن أو عبر عقوبات مضادة قد يزيد من كلفة الهجوم ويقلل من الدعم الدولي لواشنطن.

خامسًا: تحليل القدرة على تحقيق الهدف المعلن

رغم القوة العسكرية الأمريكية، تقييم الخبراء يشير إلى أن أي هجوم شامل ضد إيران لن يحقق أهداف “إرجاع إيران إلى العصر الحجري”. الحرب ضد دولة ذات سيادة، كبيرة السكان، وتتمتع بتضاريس صعبة وقدرات صاروخية ونفوذ إقليمي، ستؤدي إلى:
خسائر بشرية ومادية كبيرة للطرفين.
اضطراب واسع في سوق الطاقة العالمي، نظرًا لاعتماد الاقتصاد العالمي على النفط الإيراني والسعودي.
احتمالية مواجهة مباشرة مع حلفاء إيران أو تدخل قوى كبرى.
تعزيز الشعور القومي الإيراني وزيادة الدعم الداخلي لنظام طهران.

الخلاصة:

في التحليل الاستراتيجي، نجد أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة النظرية على توجيه ضربات مدمرة لإيران، لكن العوائق العسكرية والتضاريس، القدرات الصاروخية الإيرانية، تأثير القوى الكبرى، وتداعيات الهجوم على الاستقرار الإقليمي والعالمي، تجعل من أي هجوم شامل قرارًا محفوفًا بالمخاطر. إيران قد تتعرض لأضرار محدودة، لكن “إرجاعها إلى العصر الحجري” أمر غير واقعي، كما أن روسيا والصين تمثلان رادعًا مهمًا للولايات المتحدة، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل الاقتصادية والدبلوماسية.
يمكن القول إن الحل العسكري المباشر ضد إيران ليس خيارًا عمليًا أو مضمون النجاح، وأن الإدارة الأمريكية قد تفضل الاستراتيجية المختلطة من الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، إلى جانب العمليات السيبرانية والاستهداف الدقيق للبنية التحتية العسكرية، بدلاً من التصعيد إلى حرب شاملة.