مؤتمر برلين.. محاولة لهندسة مشهد سياسي مرفوض داخليا
تقرير- الطيب عباس:
تستضيف العاصمة الألمانية، الأربعاء المقبل، النسخة الثالثة من مؤتمر برلين حول السودان، ويهدف هذا المؤتمر الدولي بحسب المنظمين إلى معالجة الأزمة السودانية عبر مسارين رئيسيين يتمثلان في دعم الاستجابة الإنسانية لمواجهة أزمة النزوح ودفع المسار السياسي لإنهاء القتال وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين.
ورغم فشل النسخ السابقة في الإيفاء بالوعود التي قطعها المانحون، حيث لم تنفذ شوى 25% من التعهدات المالية في النسخة السابقة، وتأتي النسخة الحالية في ظل أزمة عالمية وحرب تتربص بالجميع، ما يجعل الالتزام بالتعهدات ضربا من المستحيل، فيما ينظر مراقبون إلى أن مؤتمر برلين لا يعدو سوى تظاهرة سياسية لبث الروح في تحالف صمود وتصديره للخارج كمثل شرعي للشعب السوداني.

وحسب الأخبار المتداولة فإن الدعوات وجهت لنحو 40 شخصية سودانية تمثل كتل سياسية وقوى مدنية وشخصيات مستقلة، أغلبهم يتبع لتحالف صمود، بينما أعلنت الحكومة السودانية والكتلة الديمقراطية وشخصيات سودانية مقاطعتها للمؤتمر، مما يولد المؤتمر بحسب مراقبين انقساماً حاداً في المواقف قبل انعقاده، ويؤدي إلى فشله.
تدخل سافر:
قبل أسبوعين من انعقاده، أعلن نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، رفضه للمؤتمر، معتبراً أنه (يمضي ضد رغبة السودانيين) ويشكل تدخلاً في السيادة الوطنية، في أول رفض رسمي للمؤتمر.
وقال مالك عقار، الذي كان يتحدث في فعالية نظمتها رابطة الشعوب لشكر المنظمات الإنسانية والمبادرات المحلية، إن مؤتمر برلين المزمع عقده هذا الشهر هو ضد رغبة السودانيين وتطلعاتهم.
وأوضح أن المشكلات والحلول يحددها السودانيون بأنفسهم فقط، مشيرًا إلى أنهم يرفضون الحلول التي تُفرض من الخارج، معتبرًا أنها حرب سودانية تُحل بحلول نابعة من الشعب.
هندسة مشهد بديل:
فيما لم تكتف الكتلة الديمقراطية بمقاطعتها للمؤتمر، وإنما اتهمت القائمين على أمره بالسعي لهندسة مشهد سياسي بديل.
تحيز واضح:
بدوره أعلن رئيس تنسيقية القوى الوطنية محمد سيد أحمد الجاكومي مقاطعتهم لمؤتمر برلين بسبب ما صفه بأنه دعوات غير متوازنة إذ إن كتلة واحدة واجهتها التحالف المدني الديمقراطي (صمود) برئاسة عبد الله حمدوك تحظى بأكثر من نصف عدد المشاركين، في حين أُقصِيت قوى وشخصيات فاعلة من الطرق الصوفية والقيادات القبلية والمجتمعية والشبابية والنسوية الوطنية.
وأوضح الجاكومي في تصريحات سابقة أنهم أبلغوا الآلية الأفريقية المعنية -قبل أسابيع- بملاحظاتهم على اختلال الدعوات لمؤتمر برلين مما دفعهم لاتخاذ قرار بمقاطعة المؤتمر ما لم يتم تصحيح التمثيل غير المتوازن وهيمنة قوى محددة على المشاركة، مما يضعف فرص الاتفاق في المؤتمر على أي ترتيبات سياسية.
مؤامرة أوروبية:

ينظر لمؤتمر برلين على نطاق واسع، على أنه محاولة لفرض واقع سياسي جديد، أكثر منه خطوة لحل الأزمة السودانية، وقال الباحث محمد المصطفى، إن مؤتمر برلين انحرف عن هدفه بتجاهل دعوة الحكومة السودانية، المعترف بها دوليا ورسميا، ما يشير إلى سوء نية القائمين على أمره، معتبرا أن المؤتمر الذي قدم الدعوة لتحالف صمود الذي لا يحظى بشعبية داخل السودان ويهمل الداخل السوداني بما فيه الحكومة المعترف بها من كل الكرة الأرضية، يعتبر استعمار ناعم ومحفل لفرض إملاءات وأوامر من من لا يملك إلى من لا يستحق.
فيما اعتبر الكاتب الصحفي إبراهيم الصديق في مقال له، إن مؤتمر برلين، لم يعد يقتصر على حشد الدعم الإنساني أو الدعوة لوقف إطلاق النار، بل تطور إلى محاولة واضحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني عبر منصات دولية، وفي ظل معادلات لا تعكس بالضرورة التوازن الحقيقي داخل السودان.
وأوضح الصديق أن المعطى الأول الذي لا يمكن تجاهله هو أن مؤتمر برلين يأتي بعد تحركات مكثفة في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، وبعد صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن الفاشر في فبراير 2026، والذي أشار بوضوح إلى نمط من الانتهاكات التي قد ترقى إلى الإبادة الجماعية، خاصة في استهداف مجتمعات بعينها في دارفور.
فشل المؤتمر:
ومع اقتراب موعد انعقاده، فإن مراقبون يتنبأون بفشل هذه النسخة من المؤتمر كسابقاتها، وذلك ليس بسبب العجز في الإيفاء بالالتزامات المالية، حيث هذه المرة مع التطورات الدولية والحرب الإيرانية – الأمريكية التي عقدت الأوضاع المالية، لن تكون هناك التزامات مالية من الأساس، وإنما سيتحول المؤتمر لمحفل يحاول هندسة المشهد السياسي السوداني بإزاحة قوة شعبية حية والاستعاضة عنها بتحالف مشكوك في وطنيته أصلا، ويرى مراقبون أن المؤتمر من هذه النقطة تحديدا سيفشل، لأن محاولة إقناع الداخل السوداني بمشروعية تحالف صمود لن تجد أصلاةمن يستمع لها ناهيك أن يقتنع بها.