آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (42) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ز)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*هكذا فقط وبدون أي طريقة أخرى ظل يمشي آلاف المرات ذهاباً وإياباً، وفي عينيه المسلطة المحمومة ومضة جنون. مع ذلك بدت قدرته على التفكير إلى الآن سليمة تماماً، حيث إنه من وقت لآخر كان يلتفت ملهوفاً إلى الطاولة لمعرفة إذا كان تشينتو فيتش اتخذ قراراً أم لا. لكن الوقت مضى ليبلغ تسع دقائق ثم عشر، ثم أخيراً حدث ما لم يتوقعه أحد فينا. رفع تشينتوفيتش ببطء يده الثقيلة التي ظلت حتى الآن هامدة على الطاولة.

*نظرنا منتظرين بلهفة ماذا سيقرر، لكنه لم يفعل غير إزاحة القطع بظهر يده من على الرقعة بحسم وئيد. لم نفهم إلا بعد وهلة لقد استسلم تشينتوفيتش لقد تخلى عن المباراة، حتى لا يصل إلى وضعية سقوط ملكه أمامنا. لقد  تحقق ما لم يكن متوقعاً، بطل العالم، الفائز في بطولات بلا حصر، ينهزم أمام رجل نكرة، يقول إنه لم يقترب منذ عشرين أو خمس وعشرين سنة من رفعة شطرنج. صديقنا، مجهول الهوية، الغامض، فاز في دور على أمهر لاعب شطرنج في العالم أمام القاصي والداني.

*من شدة الإثارة نهضنا، واحد بعد الآخر في غفلة مما نفعل فالكل أحس بأن عليه أن يقول أو يفعل شيئاً لينفس عن فرحته بالمفاجأة. أما الوحيد الذي ظل لا يتحرك فهو تشينتو فيتش. وبعد فترة زمنية محسوبة بدقة رفع رأسه ونظر إلى صديقنا بعين جامدة:

(هل من دور آخر ؟)

.(بالتأكيد)

*أجابه الدكتور (ب) بحماس ارتبت له، وجلس متلهفاً ليصف القطع قبل أن يتاح لي أن أذكره بنيته بألا يزيد عن دور واحد، ومن شدة عصبيته أفخلت من بين أصابعه المرتعشة بيدقاً مرتين ليقع على الأرض.

*تحول عدم ارتياحي الشديد لإثارته غير الطبيعية إلى نوع من الخوف فقد حل على هذا الإنسان الهادئ المنزن  توتر واضح، وعادت الرعشة حول فمه بوتيرة أسرع، وجسمه بهتر كأن حمى شديدة سرت فيه

هست إليه بصوت خافت:

توقف، لا تلعب الآن. كفى لليوم. إنه يجهدك.

ارتفع صوته بضحكة شريرة:

(مجهد) هه.. لولا هذا التلكع لكنت لعبت سبعة عشر دوراً خلال هذا الوقت ما يجهدني هو مكافحة النعاس.

نهاية المداد:

اليوم هو الغد الذي وعدت نفسك أمس أن تنجز فيه الكثير من الأعمال

 (د.إبراهيم الفقي)