
الديمقراطية.. كذبتنا السياسية في أبريل (1-2)
محمد عبد الرحيم جاويش
*في نوفمبر 1953 اجريت أول انتخابات تشريعية في السودان ضمن ترتيبات الاستعمار البريطاني لاستقلال السودان ومن المفارقات أن اسبانيا والبرتغال جارتي بريطانيا في أوروبا كانتا حينها تحت نظام حكم عسكري دكتاتوري.. ما إن جاء العام 1954 إلا وكان الحدث الاشهر في الساحة الثقافية فيلم (كدبة أبريل) بطولة إسماعيل ياسين والسودان ومصرحينها دولة واحدة.. وتشاء الاقدار أن يبحث السودانيون عن الديمقراطية في (أبريل) 1985، و(أبريل) 2019 بعد حكم المشيرين جعفر وعمر ( 16 و30 عاما)، ثم تأتي كذبة أبريل الكبرى في (أبريل) 2023 بإعلان محمد بن حمدان واخوانه الحرب لاجل الديمقراطية برعاية من دولة تحكمها عائلة حكما وراثيا.
*السؤال الجوهري الذي لم تشغل نخبنا واحزابنا السياسية بالها به هو لماذا استعصت علينا الديمقراطية حتى اصبحت كذبة ابريل ملازمة لتاريخنا السياسي، و لم تبذل الجهد لترسيخها، مع إن ذلك من بديهيات وأولويات العمل السياسي لاي أحزاب في اي نظام ديمقراطي ليبرالي، وغاية ما فعلته بعض احزابنا هو توقيع (ميثاق الدفاع عن الديمقراطية) بعد ابريل الاولى في 1985م والذي لم يصمد عند اذاعة المارشات العسكرية صبيحة الجمعة 30 يونيو 1989
*المهم ان السودان اصبح دولة مستقلة بنظام ديمقراطي ليبرالي في الاول من يناير 1956 وبرلمانا منتخبا، لم يستطع هذا النظام الصمود لثلاثة اعوام، اذ تسلم الجيش السلطة في نوفمبر 1958م، وبعيدا عن جدل الاسباب السياسية لحدوث الانقلاب حينها، نجد ان النظام الديمقراطي كان بناء هشا، لعدة اسباب.. فالدولة المركزية كانت حديثة التكوين ، وتجربتنا مع نظام الاحزاب بدأت في عهد الاستعمار بعد سقوط الدولة المهدية في 1898، أوللدقة نظامنا الديمقراطي ليس إلا استنساخ لنظام المستعمر، ويبدو اننا تعودنا استسهال الحلول في حياتنا فقد كنا نأمل في استدامة الديمقراطية دون الاعتبار أن الغرب ترسخت التجربة الديمقراطية واصبحت جزء من ثقافة المجتمع فيه عبر قرون، اذ تأسست أول ديمقراطية في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ثم تطورت لمؤسسات وتقاليد في المجتمع والمناهج الدراسية والتربوية. اضافة لذلك لم يكن النظام الديمقراطي الليبرالي موجودا حولنا و في محيطنا القريب، فمعظم الدول من حولنا كانت تحت نظم ملكية، أو خارجة منها للتو نحو نظام عسكري.. إذا ركب في رأسنا ان النظام الديمقراطي هو الحل وظللنا نبحث عنه سبعين عاما لسببين فقط هما نظام المستعمر، وأن لم يكن لدينا نظام ملكي سابق للاستعمار.
*عند إمعان النظر لاحزابنا السياسية من حيث الاصول الفكرية، والبناء المؤسسي، والممارسة الداخلية، نجد أنه كان سيصبح أمرا عجيبا ومخالفا للمنطق وحدثا استثنائيا ان نجحت التجربة الديمقراطية واستقرت خلال السبعين عاما الفائتة.. فالحزبان الكبيران اللذان استلما السلطة حين الاستقلال يتبعان لاسرتين على رأس طائفتين دينيتين، لا يجمع بينهما وأسس الديمقراطية الليبرالية إلا هدف الوصول للسلطة، والأحزاب اليسارية فلا أصولها الفكرية ولا ممارسات آبائها في الدول التي وصلت فيها السلطة لها علاقة بالديمقراطية الليبرالية، أما الاسلاميين فكانوا نجم الحرية الصاعد منذ اكتوبر 1964، ثم أصبحوا نجمها الواعد في انتخابات 1986، حتى جاء اليوم الأخير من يونيو في 1989 فأكلوا من شجرة الانقلابات ولحقوا بالباقين. وبقى اللغز مستمرا اين هي بذور الديمقراطية الصالحة عند احزابنا نزرعها فتخضر سهولنا.
*من أسس الديمقراطية انها حقوق وواجبات، وحرية اختيار، والتزام صارم بمبادئ العدل وحاكمية القانون والشفافية، وعدم السماح بالتدخل الخارجي في الشئون الداخلية.. ولاستمرار النظام الديمقراطي لا يكفي أن تكون هذه الاسس موجودة في الدستور والقوانين فقط، بل يجب أن تكون جزءا أصيلا من تربيتنا وممارستنا لكل الانشطة الحياتية، وثقافتنا المجتمعية.