
أي مسار دبلوماسي ينتظر السودان بعد إعلان وقف العمليات؟
عمرو خان
*يثير الحديث عن الهدنة في السودان وتعليق العمليات العسكرية تساؤلات سياسية عميقة حول طبيعة المسار الدبلوماسي الذي يمكن أن تتجه إليه الأزمة السودانية.. فبينما رأت الحكومة في هذه الخطوة بادرة إيجابية قد تفتح الباب أمام التهدئة، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: أي طريق سياسي يمكن أن يسلكه السودان في ظل تعدد المبادرات واختلاف المواقف الداخلية حولها؟
*من حيث المبدأ، فإن أي تعليق للعمليات العسكرية- حتى إذا كان مؤقتًا- يخلق نافذة زمنية محدودة يمكن استثمارها في تحريك المسار السياسي. لكن التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات، بل في التباين الحاد بين الفاعلين السياسيين حول قبولها أو رفضها.. فقد شهدت الأزمة منذ اندلاع الحرب سلسلة من المبادرات الإقليمية والدولية، بعضها حظي بقبول من مجلس السيادة الانتقالي، بينما رفضته قوى سياسية ومدنية، وفي حالات أخرى حدث العكس تمامًا.
*هذا التباين يعكس أزمة أعمق من مجرد اختلاف سياسي؛ إنه يعبر عن غياب رؤية وطنية موحدة حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية ومستقبل الدولة السودانية.. فالمؤسسة العسكرية تنظر غالبًا إلى المبادرات الدولية من زاوية الحفاظ على سيادة الدولة ومنع التدخل الخارجي المفرط، بينما ترى قوى مدنية أن الضمانات الدولية قد تكون ضرورة لتثبيت أي تسوية سياسية ومنع عودة الصراع.
*كما أن التعدد الكبير في المنابر التفاوضية أسهم في تعقيد المشهد بدلًا من تبسيطه.. فهناك مبادرات قادها الاتحاد الإفريقي، وأخرى رعتها دول إقليمية، إلى جانب مسارات تفاوضية برعاية دولية.. هذا التعدد خلق ما يشبه (تنافس المبادرات)، بحيث أصبح كل طرف يفضل المنصة التي تمنحه نفوذًا أكبر أو تحقق شروطه السياسية.
*في هذا السياق، يمكن النظر إلى إعلان وقف العمليات العسكرية بوصفه فرصة اختبار حقيقية لمدى استعداد الأطراف السودانية لإعادة ترتيب أولوياتها.. فإذا كان الهدف هو وقف الحرب، فإن المنطق السياسي يفرض البحث عن أرضية مشتركة بين المكونات العسكرية والمدنية، بدلًا من الاستمرار في معادلة القبول والرفض المتبادل للمبادرات.
*لكن التحدي الأكبر يكمن في أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع سياسي بين قوى داخلية؛ فقد أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.. فالسودان يقع في منطقة جيوسياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية كبرى ودولية، وهو ما يجعل أي مسار تفاوضي عرضة للتأثيرات الخارجية.
*في المقابل، يواجه الداخل السوداني واقعًا إنسانيًا مأساويًا نتيجة الحرب. ملايين النازحين، وتدمير واسع للبنية التحتية، وانهيار اقتصادي حاد.. هذه العوامل تضغط بقوة على جميع الأطراف وتدفع نحو البحث عن مخرج سياسي. لكن المشكلة أن الميليشيا ما تزال تراهن- بدرجات مختلفة- على تحقيق مكاسب ميدانية قبل الدخول في تسوية نهائية.
*من هنا، فإن السؤال حول أي مسار دبلوماسي يمكن أن يسلكه السودان لا يمكن الإجابة عنه دون تحديد ثلاثة شروط أساسية لنجاح أي مبادرة سياسية.
*أول هذه الشروط هو توحيد المنابر التفاوضية.. فبدلًا من تعدد المبادرات المتنافسة، يحتاج السودان إلى إطار تفاوضي واحد يحظى بقبول إقليمي ودولي واسع، ويجمع الأطراف السودانية الرئيسية على طاولة واحدة.
*الشرط الثاني يتمثل في بناء توافق داخلي بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والمدنية حول المبادئ الأساسية للمرحلة الانتقالية. فبدون هذا التوافق، ستظل أي مبادرة معرضة للانهيار بمجرد توقيعها.
*أما الشرط الثالث فهو توفير ضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق سياسي. فالتجارب السابقة في السودان أظهرت أن الاتفاقات السياسية غالبًا ما تنهار بسبب غياب آليات واضحة للتنفيذ والرقابة.
*في ضوء هذه الشروط، يمكن القول إن إعلان وقف العمليات العسكرية-إذا تم الالتزام به- قد يشكل نقطة انطلاق لعملية سياسية جديدة، لكن نجاحها سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السودانيين أنفسهم على تجاوز الانقسامات الحالية.
*فالسلام لا يمكن أن يُفرض من الخارج، مهما كانت نوايا الوسطاء الدولية أو الإقليمية.. بل يجب أن ينبع من إرادة وطنية حقيقية تدرك أن استمرار الحرب يعني مزيدًا من الانهيار للدولة والمجتمع.
*وبينما تفتح الهدنة المحتملة نافذة أمل قصيرة، يبقى التحدي الحقيقي هو ما إذا كانت الأطراف السودانية ستستثمر هذه الفرصة لإطلاق مسار سياسي جاد، أم أن البلاد ستعود مرة أخرى إلى دائرة المبادرات المتعثرة والفرص الضائعة.
*في النهاية، قد تكون المبادرات الدولية ضرورية لتسهيل الحوار، لكنها ليست بديلاً عن التوافق الوطني. *والسؤال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط أي مسار دبلوماسي سيسلكه، بل ما إذا كانت النخبة السياسية والعسكرية مستعدة لاتخاذ القرار الأصعب: وضع مصلحة الدولة فوق حسابات السلطة.
*كاتب صحفي مصري