
ألمانيا والسودان… ما بين تعقيد المصالح وتبسيط التفسيرات (2-2)
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*لو كان هناك نقد موضوعي يمكن توجيهه للمؤتمر، فإنه يتمثل أولًا في عدم مشاورة وإشراك الحكومة السودانية بالصورة الكافية، وهو أمر يثير تساؤلات حول مدى واقعية أي مخرجات دون حضور الفاعل الرسمي. كما يتمثل ثانيًا في عدم التوازن في عدد ونوع وطبيعة المدعوين من الأطراف السودانية، بحيث يبدو أن هناك انحيازًا في التمثيل حتى قبل أن يبدأ المؤتمر، وهو أمر قد يضعف فرص تحقيق أي توافق حقيقي، بل هو مؤشر إلى فشل المؤتمر قبل بدايته، مما يجعله لا يختلف عن ما سبقه من مؤتمرات انتهت إلا لا شيء، وهو ما دفع عددًا من الأطراف إلى مقاطعته.
*ومن ناحية أخرى، فإن المقال أغفل حقائق مهمة في تاريخ العلاقات السودانية–الألمانية، وهي حقائق تكشف أن العلاقة بين البلدين لم تكن هامشية كما صُوّرت، بل كانت ذات حضور مؤسس في قطاعات استراتيجية متعددة. فقد كانت ألمانيا من الدول الرائدة في تطوير صناعة السكر في السودان، وأسهمت في إنشاء مصانع الجنيد وحلفا الجديدة في ستينيات القرن الماضي، وهي مشروعات شكلت ركيزة مهمة للاقتصاد الزراعي والصناعي. كما كان لها حضور مبكر في الصناعات العسكرية من خلال إنشاء مصنع الذخيرة في الشجرة، في إطار نقل خبرات صناعية وتقنية متقدمة في ذلك الوقت.
*وامتد الدور الألماني إلى المجال الإعلامي، حيث أهدت ألمانيا السودان محطة التلفزيون في مرحلة كانت فيها القارة الأفريقية شبه غائبة عن الإعلام المرئي، ليصبح السودان من أوائل الدول في المنطقة التي امتلكت بنية إعلامية حديثة. ومن هذه القاعدة انطلق إشعاع إعلامي سوداني أسهم في تطوير الإعلام في عدد من دول المنطقة، عبر كوادر وطنية متميزة مثل البروفيسور علي شمو وغيره من الرواد.
*وفي قطاع الطاقة، أهدت ألمانيا السودان أول مشروع كبير للطاقة الشمسية في سوبا، في زمن لم تكن فيه هذه التقنية معروفة على نطاق واسع في أفريقيا، كما تكفلت – على هيئة منح – بعدد من مشروعات الطاقة، من أهمها محطة بحري الحرارية، وهو دعم كان له أثر مباشر في تأسيس البنية الكهربائية في البلاد. ولا يزال الحضور الألماني مستمرًا في هذا القطاع عبر شركات ألمانية كبرى مثل شركة سيمنز التي شاركت وتشارك في مشروعات الطاقة، ومنها محطة قري 3
*ولم يقتصر الدور الألماني على القطاعات الاقتصادية، بل امتد إلى مجالات البحث العلمي والتراث الحضاري، حيث أسهمت البعثات الألمانية بصورة واسعة في الاستكشافات الأثرية في السودان، ويعود لها دور بارز في الكشف عن آثار منطقة المصورات وغيرها من المواقع التاريخية المهمة. كما دعمت ألمانيا التعليم الفني والتدريب المهني عبر إنشاء مراكز متخصصة أسهمت في تأهيل كوادر سودانية في مجالات تقنية ومهنية متعددة.
*ويضاف إلى ذلك الدعم التنموي الواسع الذي قدمته ألمانيا عبر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في عدد من مناطق السودان، في مجالات التنمية المحلية وبناء القدرات والخدمات الأساسية.
*إن تجاهل هذه الخلفية التاريخية للعلاقات السودانية–الألمانية، ثم تفسير اهتمام ألمانيا باستضافة مؤتمر دولي حول السودان بأنه مجرد انعكاس لعقدة ذنب تجاه إسرائيل، يُبسط المشهد إلى حد كبير، ويتجاوز تعقيد العلاقات الدولية وتشابكها. فالدول لا تتحرك بدافع واحد، ولا تُبنى سياساتها الخارجية على فرضية واحدة، كما أن قراءة الوقائع عبر عدسة تفسيرية واحدة قد تُنتج استنتاجات جذابة، لكنها لا تكون بالضرورة دقيقة.
*وعليه، فإن السؤال الأهم ليس لماذا تتحرك ألمانيا، بل لماذا يصبح السودان موضوعًا دائمًا لمبادرات الآخرين. فالدول لا تُناقش قضاياها في مؤتمرات خارجية حين تكون قادرة على إدارة شؤونها بنفسها. والمشكلة، في جوهرها، ليست في نوايا الخارج، بقدر ما هي في الفراغ الداخلي الذي يفتح الباب أمام تعدد المبادرات وتباين الدوافع.
*لذا، حين يتراجع القرار الوطني تتقدم العواصم الأجنبية، وحين يغيب التوافق الداخلي وتخفت الرؤى، تتحول المؤتمرات إلى مطابخ تصوغ مخرجاتها لواقع البلاد، وحين يصبح السودان ساحةً للعرض لا طرفًا فاعلًا، يغدو السؤال عن دوافع الآخرين أقل أهمية من السؤال عن أسباب هذا الغياب. ومن المهم أن ندرك أن ما نعانيه من تخلف، رغم مواردنا الضخمة وتعدد الشراكات التي أُتيحت لنا، ليس نتيجة غياب الاهتمام الدولي، بل نتيجة منهج في إدارة الدولة يقوم في الغالب على قراءات أحادية، وتفسيرات تبسيطية، لا تستوعب تعقيد المصالح ولا تحسن توظيف الفرص.