آخر الأخبار

اختفاء “أم قيردون”.. إنذار صامت من الطبيعة عن بدء صيف السودان القاسي

في مشهد سنوي يلفت الأنظار ويثير الفضول، تبدأ أسراب طائر “أم قيردون” في الاختفاء من سماء السودان مع اقتراب منتصف أبريل، وكأن السماء تطوي فجأة فصلاً كاملاً من فصولها. لحظات قصيرة، لكنها كافية لتعلن – بصمتٍ غامض – نهاية الشتاء وبداية صيف يُعرف بقسوته.

 

في القرى والحقول، لا يُنظر إلى الأمر كحدث عابر. فاختفاء الطائر الأخضر الصغير يُقرأ كإشارة واضحة: الحرارة قادمة، والمواسم تتبدل، والطبيعة تغيّر إيقاعها المعتاد. إنه “تقويم حيّ” يطير فوق الرؤوس ثم يختفي دون إنذار.

 

لغز في السماء.. طائر صغير بحضور كبير

في هذا الإطار يقول البروفيسور طلعت دفع الله عبد الماجد، الخبير البيئي ل”العربية.نت”، إن “أم قيردون” هو الاسم الشعبي في السودان لأحد الطيور الخضراء الصغيرة المنتشرة في حزام السافانا من غرب أفريقيا حتى وادي النيل، بما في ذلك شمال السودان.

 

لكن المفاجأة أن هذا الطائر ليس مهاجراً “أسطورياً” كما يتخيل البعض، بل هو طائر مقيم أو مهاجر موسمي يتحرك داخل نطاقه الطبيعي تبعاً للغذاء والطقس، وليس عبر رحلات قارية بعيدة كما يُشاع في بعض المقارنات الشعبية.

 

ومع ذلك، فإن تأثيره في البيئة أكبر بكثير من حجمه. فهو يتغذى على الحشرات الطائرة مثل النحل والزنابير والجراد، ما يجعله خط دفاع طبيعي ضد الآفات الزراعية في الحقول المفتوحة. كما يؤكد البروفيسور طلعت ل”العربية.نت”.

 

وفي هذا السياق يوضح الخبراء أن “أم قيردون” يؤدي دوراً بيئياً بالغ الأهمية، إذ يعمل كمنظّم طبيعي لكثافة الحشرات داخل النظم الزراعية والرعوية. وببساطة، هو أحد “الجنود غير المرئيين” الذين يقللون الحاجة إلى المبيدات الكيميائية ويحافظون على توازن البيئة الزراعية.

 

لكن الأهم من ذلك، أن وجوده أو تراجعه لا يمر دون معنى. فكثافته في مواسم معينة تُعد مؤشراً حيوياً على صحة الموارد الطبيعية: الأشجار، أماكن التعشيش، ووفرة الحشرات. أما اختفاؤه أو تراجعه، فقد يكون إشارة مبكرة إلى ضغط بيئي يتصاعد بصمت.

 

أسطورة “الرهو”… عندما يتدخل الخيال

ورغم التفسير العلمي الدقيق، لا تزال الرواية الشعبية حاضرة بقوة. إذ يعتقد بعض السكان أن “أم قيردون” لا يهاجر وحده، بل يستعين بطائر آخر يُعرف ب”الرهو” أو “الكركي”، يحمله عبر المسافات الطويلة في علاقة غامضة توصف بأنها “تبادلية المنفعة”. حيث يُروى في الحكايات والأساطير أن أم قيردون، لصغر حجمها، لا تقوى على مشقة السفر الطويل بمفردها، فتركب على ظهر طائر الرهو العملاق الذي يحملها عبر البحار والصحاري في رحلتها الطويلة تلك.

 

لكن، لا دليل علمياً على هذه القصة، لكنها تعكس شيئاً أعمق: حاجة الإنسان إلى تفسير حركة الطبيعة حين تبدو معقدة وسريعة ومفاجئة كما يؤكد خبراء البيئة بالسودان.

 

في عيون الأطفال طائر يرقص في السماء

في الريف السوداني، يتحول “أم قيردون” إلى مشهد يومي مبهج للأطفال. أسراب صغيرة تتحرك بسرعة في الهواء، كأنها ترسم لوحات متغيرة في السماء.

 

الأطفال لا يراقبونه فقط، بل يغنّون له. أهازيج تراثية بسيطة، واعتقاد بريء بأنه يرقص ويتأثر بالأصوات. وبين الحقيقة والخيال، تتشكل علاقة خاصة بين الإنسان الصغير والطبيعة المتحركة فوقه.

 

“الحاجة” رحلة سنوية بطعم القداسة

 

في بعض المناطق في السودان، يُطلق على الطائر لقب “الحاجة”، في تشبيه رمزي لرحلته السنوية برحلة الحج. يعود في موسم محدد، ويُستقبل أحياناً بالأغاني والأناشيد والترحيب، كأنه عائد من سفر مقدس. إنها ليست مجرد تسمية، بل انعكاس لكيفية تحويل الطبيعة إلى قصة، والطائر إلى رمز، والموسم إلى طقس اجتماعي ممتد في الذاكرة الشعبية. لذلك اكتسبت “أم قيردون” حرمة خاصة في الثقافة السودانية. فقد ساد اعتقاد قوي بأن إيذاء هذا الطائر أو التسبب في موته يعد إثماً عظيماً.

 

هل نحن أمام إنذار صامت؟

 

بين العلم والأسطورة، وبين التفسير البيئي والتراث الشعبي، يبقى “أم قيردون” أكثر من مجرد طائر صغير. إنه علامة موسمية، ومؤشر بيئي، ومرآة لعلاقة الإنسان ببيئته.

 

لكن السؤال الذي يعلّق في السماء كل عام مع آخر أسرابه: هل ما زالت الطبيعة تقول لنا كل شيء بوضوح كما في السابق… أم أن شيئاً ما بدأ يتغير بصمت؟