
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
الخريف وتداعياته (2-5)
د. مزمل سليمان حمد
*إذا كان المقال الأول قد قدّم مدخلاً لفهم الخريف باعتباره معادلة تجمع بين النعمة والمحنة، فإن هذا الجزء يذهب أبعد من ذلك، ساعيًا إلى تفكيك جذور الأزمة.. فالمشكلة ليست قدراً طبيعياً خالصاً، بل نتيجة تراكمات من الإهمال الإداري، وغياب الرؤية الاستراتيجية، وضعف التنسيق بين المؤسسات.
*الخريف في السودان موسم معلوم لا يفاجئ أحداً، ومع ذلك تتكرر آثاره كل عام وكأنها أحداث طارئة. هذه المفارقة تشير بوضوح إلى أن الخلل ليس في الطبيعة، بل في أسلوب إدارتنا لها. فالدول التي تُحسن استثمار مواردها لا تنتظر وقوع الكارثة، بل تستعد لها مسبقاً، وتحوّل التوقعات إلى خطط عملية على الأرض.
*من أبرز الإشكالات غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدّثة تحدد المناطق الأكثر عرضة للسيول والفيضانات.. فلا يمكن لأي تخطيط أن يكون فعالاً دون معرفة واضحة بمواقع الهشاشة. لذلك، فإن إنشاء نظام معلومات متكامل يعتمد على الرصد الميداني والتقنيات الحديثة لم يعد خياراً، بل ضرورة أساسية لنجاح أي تدخل، سواء في الوقاية أو الاستجابة.
*كما أن ضعف البنية التحتية يضاعف حجم الخسائر.. فالطرق غير المعبدة، والمصارف غير المؤهلة، وشبكات التصريف المحدودة تتحول خلال موسم الخريف إلى نقاط انهيار. ومن غير المقبول أن تستمر هذه الأوضاع رغم تكرار الكوارث. ينبغي أن يُنظر إلى كل موسم خريف باعتباره اختباراً لما تحقق في العام السابق، لا بداية جديدة من الصفر.
*من ناحية أخرى، تعاني إدارة الطوارئ من مركزية مفرطة تُبطئ الاستجابة وتحدّ من فعاليتها.. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المحلية تمثل خط الدفاع الأول، وأن تمكينها بالموارد والصلاحيات يمكن أن يقلل الخسائر بشكل ملموس. إن نقل جزء من سلطة القرار إلى المحليات ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات.
*ويظل الوعي المجتمعي عاملاً حاسماً في تقليل الأضرار.. فكثير من الخسائر لا تنتج فقط عن قوة السيول، بل عن سلوكيات يمكن تجنبها، مثل البناء في مجاري المياه، أو إهمال صيانة المصارف، أو تجاهل الإرشادات الوقائية. وهنا تتكامل مسؤولية الدولة مع دور الإعلام والمجتمع المدني في نشر ثقافة الاستعداد بدلاً من انتظار الإغاثة.
*على الصعيد الاقتصادي، غالباً ما يُنظر إلى الخريف كعبء، بينما يمكن أن يكون فرصة كبيرة. فمياه الفيضانات يمكن استثمارها في مشاريع حصاد المياه، وتغذية الخزانات الجوفية، وتوسيع الرقعة الزراعية.. إن اختزال الخريف في كونه مشكلة فقط يغفل إمكاناته كموارد يمكن توظيفها بفعالية.
*أما البعد الإنساني، فهو الأهم. فكل رقم يُذكر عن الخسائر يخفي وراءه معاناة حقيقية: أسرة فقدت مأواها، مزارع خسر محصوله، طفل انقطع عن مدرسته. لذلك، يجب أن يكون الإنسان محور أي خطة، فالغاية ليست فقط تقليل الأضرار، بل حماية الكرامة الإنسانية.
*وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ حرب أبريل 2023، تتعاظم التحديات وتتناقص الموارد. ومع ذلك، فإن هذه الظروف لا تُسقط المسؤولية، بل تجعلها أكثر إلحاحاً. فالهشاشة الناتجة عن الحرب تعني أن أي تقصير في الاستعداد للخريف ستكون كلفته أكبر وأكثر إيلاماً
*إن الانتقال من رد الفعل إلى الفعل يتطلب إرادة سياسية واضحة، ومحاسبة شفافة، وتخطيطاً قائماً على العلم لا الارتجال. فالسودان لا تنقصه الموارد، بل يحتاج إلى إدارة رشيدة توظّف هذه الإمكانات بعقل الدولة، لا بمنطق الأزمات.
*هذا المقال هو المحطة الثانية في سلسلة تحاول تقديم قراءة مختلفة للخريف؛ قراءة ترى في كل قطرة مطر فرصة لا تهديداً، وفي كل أزمة درساً لا مجرد حدث عابر. وفي المقال القادم، سننتقل إلى عرض أكثر تفصيلاً للحلول العملية ومشاريع الحماية، وكيفية تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس.