المسكيت.. آفة يجب إستئصالها أم ثروة تحتاج إلى إداره ذكية (2-2)
- دقيق من قرون المسكيت لتصنيع الخبز والمخبوزات
- أشجار المسكيت يمكن ان تسهم في الأمن الغذائي والقرار بيد من يملكون القدرة على تحويل التحديات إلى فرص
- بحوث علمية: الشجرة الشيطانية يمكن ان توفر سكر مناسب لمرضى السكري
- مهندسة زراعية: ثمار واوراق ولحاء شجرة المسكيت تستخدم في الطب الشعبي كمضاد للبكتريا والإلتهابات وعلاج بعض الجروح
حسينارتي – عادل الحاج:
في صمتٍ مريب تتمدد شجرة المسكيت على خارطة السودان تزحف بلا إستئذان وتعيد رسم ملامح الأرض بين ضفاف النيل والدلتاوات الزراعية.. فبينما يراها البعض شجرة شيطانية تهدد الزراعة والمياه يلمح آخرون فيها فرصة إقتصادية كامنة.. فهل نحن أمام كارثة بيئية أم مورد لم يُحسن إستغلاله بعد؟.
مورد غذائي:
تقف شجرة المسكيت كنموذج حي لمعضلة بيئية ــ إقتصادية مزدوجة، فهي من جهة تهدد الأراضي الزراعية وتستنزف مواردها، ومن جهة أخرى تطرح فرصاً للاستثمار إذا ما أُحسن توظيفها، وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق توازن دقيق بين المكافحة والاستفادة، في ظل محدودية الإمكانيات واتساع رقعة الإنتشار.. إلى ذلك يشير خبير بيئي: المسكيت تُعد من أخطر الأنواع الغازية، لأنها لا تنافس فقط، بل تُقصي النباتات الأخرى، ما يؤدي إلى إختلال في التوازن البيئي.. ولا تقف المشكلة عند هذا الحد، إذ إن إزالة هذه الشجرة تتطلب جهداً وتكاليف عالية، نظراً لقدرتها على النمو مجدداً حتى بعد قطعها، ما يجعل مكافحتها تحدياً مستمراً
خُبز المسكيت:

رغم هذه الأضرار، بدأت النظرة إلى المسكيت تشهد تحولاً تدريجياً في بعض الأوساط العلمية والإقتصادية، فقد كشفت دراسات حديثة أن قرون هذه الشجرة تحمل قيمة غذائية معتبرة، ما يفتح الباب أمام إمكانية إستغلالها كمصدر بديل للغذاء، حيث تُجفف قرون المسكيت وتُطحن لإنتاج دقيق ذي مذاق حلو طبيعي، يمكن إستخدامه في صناعة الخبز والحلويات مثل الكيك والبسكويت والمخبوزات، ويتميز هذا الدقيق بإحتوائه على نسبة عالية من الألياف والبروتين، إلى جانب مركبات مضادة للأكسدة.
ويرى أحد المختصين في مجال التغذية أن دقيق المسكيت يمكن أن يشكل إضافة نوعية للنظام الغذائي، خاصة في المجتمعات التي تعاني من نقص الموارد الغذائية.. ومن أكثر الادعاءات تداولاً حول المسكيت، قدرتها على توفير سكر مناسب لمرضى السكري، غير أن هذه الفكرة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة العلمية.
تحتوي قرون المسكيت على سكريات طبيعية، لكنها مرتبطة بنسبة عالية من الألياف، ما يبطئ من عملية إمتصاصها في الجسم مقارنة بالسكر الأبيض، هذا قد يجعلها خياراً أفضل نسبياً، لكنه لا يعني أنها خالية من التأثير على مستوى السكر في الدم.. بينما يؤكد مختصون أن قرون
المسكيت ليست علاجاً لمرض السكري، ولا يمكن إستخدامها بديلاً مباشراً للسكر غلا بالمزيد من الأبحاث العلمية، ويجب التعامل معها بحذر وتحت إشراف غذائي.. وتُستخدم قرون المسكيت أيضاً كعلف للحيوانات، لما تحتويه من طاقة وعناصر غذائية، وقد أثبتت بعض التجارب أنها تساهم في تحسين إنتاجية الماشية عند إستخدامها بشكل متوازن.. لكن في المقابل، يحذر خبراء من الإفراط في إستخدامها، إذ قد تؤدي بعض مكوناتها إلى مشاكل صحية إذا لم تُعالج أو تُقدم بطريقة صحيحة.
إستئصال أم إستثمار:
التباين في خصائص المسكيت جعلها محور جدل بين إتجاهين رئيسيين
الأول: يدعو إلى القضاء عليها بشكل كامل، حمايةً للأراضي الزراعية
والموارد المائية.. والثاني: يرى أن إستغلالها إقتصادياً قد يكون حلاً عملياً يخفف من أضرارها ويحولها إلى مورد مفيد.. إلا ان احد المزارعين يقول:
لا يمكن التعامل مع المسكيت بمنطق الإزالة فقط كما لا يمكن تركها دون تنظيم، بل المطلوب هو إدارة متوازنة
من جانبها أكدت المهندسة الزراعية، نوال عيسى محمود إبراهيم، مدير الخدمات الزراعية بمحلية الدبة بالولاية الشمالية، أن التعامل مع أشجار المسكيت ينبغي ألا يقتصرعلى الإزالة الكاملة، مشددةً على أهمية تبني نهج متوازن يقوم على الإستفادة من فوائدها المتعددة.. وأوضحت في حديثها لـ(أصداء سودانية)
ثمار المسكيت تمثل مورداً إقتصادياً يمكن توظيفه كعلف للحيوانات، إلى جانب إمكانية طحنها واستخلاص دقيق منها بإستخدام تقنيات محددة، ليصبح صالحاً في صناعة بعض المخبوزات.. كما أن أجزاء مختلفة من الشجرة، بما في ذلك الثمار والأوراق واللحاء، تُستخدم في الطب الشعبي لما لها من خصائص مضادة للبكتيريا والإلتهابات، فضلاً عن دورها في
علاج بعض الجروح كما أنها تُسهم أيضاً في تلبية إحتياجات المجتمعات الريفية، حيث يُستخدم حطبها في بناء عرش الغرف البلدية، إلى جانب إعتماده كمصدر رئيسي في إنتاج الفحم النباتي.. وعبر الصحيفة أدعوا
إلى إعادة النظر في المفهوم السائدة تجاه المسكيت، من خلال تعزيز الإستفادة من مزاياها الإقتصادية والبيئية، بدلاً من الإكتفاء بسياسات الإزالة، بما يحقق توازناً بين الحد من أضرارها وتعظيم فوائدها.
تجارب متباينة:

في الواقع، تختلف تجارب المواطنين مع المسكيت من منطقة إلى أخرى، ففي حين يشتكي مزارعون من خسارة أراضيهم، يرى آخرون أن للشجرة بعض الفوائد التي يمكن الإستفادة منها.. يقول أحد المواطنين:” شجرة المسكيت مشكلة، لكنها ايضا نعمة إذا عرفنا كيف نستفيد منها.. غير أن
هذه الإستفادة لا تزال محدودة، وتفتقر إلى التنظيم والدعم المؤسسي، ما يجعلها جهوداً فردية لا ترقي إلى مستوى الحل الشامل.
ويرى خبراء أن الحل لا يكمن في أحد الخيارين المتطرفين، بل في تبني إستراتيجية متكاملة تقوم على السيطرة على إنتشار الشجرة في الأراضي
الزراعية، ودعم مشاريع تحويلها إلى منتجات غذائية، وتشجيع البحث العلمي حول إستخدامها الآمن، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارتها، ووضع سياسات واضحة تنظم التعامل معها.
فبين (الخطر) و(الفرصة) تبقى شجرة المسكيت نموذجاً حياً لتعقيدات العلاقة بين الإنسان والطبيعة، فهي ليست شراً مطلقاً، كما أنها ليست خيراً
خالصا وبينما تواصل تمددها على الأرض، يظل التحدي الحقيقي في كيفية التعامل معها بعقلانية، بعيداً عن الإنفعال أو الإهمال، فإما ان تظل عبئا
يثقل كاهل البيئة والاقتصاد، أو تتحول، بإدارة واعية إلى موردٍ يسهم في
دعم الأمن الغذائي.. وفي نهاية المطاف، يبقى القرار بيد من يملكون القدرة على تحويل التحديات إلى فرص.. فهل تكتب للمسكيت نهاية كآفة، ام بداية كقصة نجاح جديدة؟