آخر الأخبار

اللاعب الوطني والذكاء الاصطناعي

خارطة الطريق
ناصر بابكر
“1”
•في سنوات ما قبل الحرب، لدينا الكثير من التجارب، التي تطرق خلالها مدربون أجانب لمشاكل وتعقيدات متعلقة باللاعب الوطني، منها تفاصيل متعلقة بالتكوين العضلي والشق البدني، كما فعل غارزيتو ونجله أنطونيو من قبل مع “التش النعسان وأكثر من لاعب” بوضع برنامج طويل لهم يمتد لأشهر بعيدًا عن المباريات، إلى جانب تفاصيل متعلقة بالجانب “التكنيكي” ومعاناة بعض العناصر في المهارات الأساسية (الاستلام والتمرير) بسبب ضعف التأسيس، بجانب المعاناة الكبيرة في الجوانب التكتيكية والذهنية التي تعتبر من أكبر نقاط ضعفنا.
“2”
•حتى ما قبل الحرب، كان تطور اللاعب السوداني يعتمد، مع درجة جديته وسلوكه الشخصي وطموحه، على كثرة اللعب لسنوات طويلة، حيث يقدم أغلب اللاعبين أفضل ما عندهم بعد الـ(30)، لأنهم يعوضون غياب التأسيس السليم بالتحسن من خلال كثرة اللعب، ووقتها كان عدد الأجانب محدوداً ولا يتجاوز ثلاثة، ثم خمسة على أقصى تقدير، وكان النشاط منتظماً في السودان عبر الدوري والكأس.
“3”
•الرغبة في بناء الفريق على “اللاعب الوطني” رغبة لا غبار عليها من ناحية جوهر الفكرة، لكننا مع الأسف، وجميعنا نشترك في هذا العيب، نهمل دراسة وتحليل الواقع التحليل العلمي، ونحدد ما نريده وفقاً لعاطفتنا، أو أفكار مسبقة لا نراعي معها المتغيرات واختلاف الحال.
“4”
•عدد الأجانب بالمريخ حالياً “13 لاعباً”، والنادي أعلن منذ أشهر عديدة أنه يتجه للتجنيس، ما يعني زيادة الأجانب أكثر، بعد أن سبق الند في هذا الجانب ووصل “17 أجنبياً”، وهذا الأمر يعني ببساطة أن رؤية النادي تقوم حالياً وبالأساس على اللاعب الأجنبي، وبالتالي يبقى طبيعياً أن تكون جل التوليفة من الأجانب، خصوصاً في حالة المريخ، لأن معاناة لاعبيه الوطنيين مضاعفة، بعد توقف نشاط النادي لفترات عديدة بعد الحرب، ثم مجزرة شطب القدامى التي شهدت شطب “33” لاعبًا في عامين، بينهم “الأساسي والبديل وبديل البديل”، مع تسجيل لاعبين من أندية توقف نشاطها منذ 15 أبريل، دون أن يكونوا قد خاضوا 30 مباراة في ثلاث سنوات.
“5”
•على المستوى الشخصي، كنت أظن أن التعاقد مع طاقم تدريب أجنبي للرديف، قبل انطلاقة مجموعات الدوري الممتاز في يناير من العام الحالي، من شأنه أن يساعد على حل المشكلة البدنية للاعبين الوطنيين خلال شهرين أو ثلاثة، غير أن النقاشات المستمرة منذ أكثر من أسبوع مع “الذكاء الاصطناعي”، بشأن كل تفاصيل فريق الكرة بالمريخ، أثبتت أن رؤيتي تلك نفسها رؤية حالمة وعاطفية ومتفاءلة بشكلٍ أكبر بكثير من الواقع، وذلك بعد أن قدم الذكاء الاصطناعي رؤية علمية طبية وبدنيّة تستند إلى دراسات علمية مثبتة، كشفت عن أن حل هذا الوضع يحتاج لخطة عمل تستمر لعامين، بينها عدة أشهر للتدريبات المتدرجة فقط، وبعدها عدة أشهر مشاركة متدرجة في مباريات سهلة خالية من الضغط، قبل البدء في الزج باللاعبين في مباريات تنافسية، حتى في مثل منافسة الدوري الرواندي أو أي دوري نشاطه منتظم ومستقر، أما أفريقيا فالوضع أكثر تعقيدًا، حيث يمكن أن يحتاج إلى ثلاث سنوات قبل الاعتماد على تلك العناصر في مسابقات كاف للأندية، وأي استعجال أو حرق للمراحل المطلوبة يعني تدمير مستقبل اللاعبين وتعريضهم لخطر إصابات كبيرة ومتكررة يمكن أن تنهي مسيرتهم.
“6”
•حتى جزئية الدوري السوداني، فإن تلك النقاشات كشفت عن نقطة خطيرة بعيّدة عن قراءتنا، إذّ إن اللاعب الوطني يمكن أن يشارك في الدوري السوداني باعتبار أن وضعية المنافسين نفس الوضعية (باستثناء الهلال الذي لم يتوقف نشاط لاعبيه الوطنيين الدوليين بعد الحرب)، لكن الأمر يقود، بحسب “الذكاء الاصطناعي”، إلى توازن الضعف والتكيف مع نشاط ضعيف، يقدم قراءات غير حقيقية ومعايير أقل بكثير مما يتطلبه أي دوري وطني آخر نشاطه منتظم منذ سنوات.
“7”
•المريخ يحتاج إلى خطة واضحة ومحددة وطويلة الأمد لحل معضلة اللاعب الوطني، وقبل ذلك شجاعة الاختيار لمسار واحد، فإما مواصلة الاعتماد على الأجانب وزيادة عددهم بالتجنيس خلال السنوات الثلاث القادمة على الأقل، مع اختيار 15 لاعباً وطنياً على أقصى تقدير، يمثلون مع بقية الأجانب، كشف الفريق الأول، ليتم دمج تلك العناصر الوطنية تدريجياً خلال الأعوام الثلاثة، ووقتها، حال انتظم النشاط في السودان في تلك السنوات، وبات اللاعب في بقية الأندية يلعب أكثر من 30 مباراة في الموسم بين الدوري والكأس، يمكن إضافة لاعبين جِدد.
•أما المسار الثاني، فهو مسار يحتاج إلى “صبر استراتيجي طويل الأمد”، وهو بناء الفريق منذ الموسم القادم على الوطنيين، وهو خيار يتطلب على الأقل ثلاث سنوات من الصبّر على أوضاع صعبة ونتائج غير جيّدة، وسنوات صبر أكثر أفريقياً، وهو خيار لا أعتقد أنه يتناسب مع بيئة المريخ المتعجلة.
•أما المسار الثالث، فهو “مشروع المسارين المتوازيين”، بحيث يواصل الفريق الأول الاعتماد بالكامل على الأجانب لثلاث سنوات، مع تكوين فريق رديف من الوطنيين مع جهاز فني منفصل، وتوفير معسكر طويل لهم، ثم منافسات يشاركون فيها، على أمل تقديم عشرة لاعبين للفريق الأول بعد عامين، وهو مسار مكلف للغاية مالياً، بجانب ضرورة توفر منافستين سنوياً، ليشارك الفريق الأول في واحدة والرديف في أخرى.
•وبين تلك الخيارات، تحتاج الإدارة إلى شجاعة اختيار مسار واحد وإعلانه بصراحة للجماهير، لأن الأجهزة الفنية ينبغي أن تنفذ الرؤية الاستراتيجية للنادي، وطالما أن الكشف يضم عدداً كبيراً من الأجانب قابلاً للزيادة، فذلك يعني أن الرؤية الاستراتيجية تقوم على الأجانب (حتى الآن على الأقل)، وبالتالي ينبغي أن تعلن الإدارة عن ذلك وسبب تلك الرؤية المنطقية استناداً إلى الواقع، حتى لا نحاسب الأجهزة الفنية على رغبات وأمانٍ وأحلام لا تمت للواقع بِصِلة.
“8”
•سلسلة نقاشات “الرد كاسل” مع الذكاء الاصطناعي، سلسلة غاية في الأهمية، تشرح واقع المريخ تشريحاً مفصلاً وعلمياً، مع تقديم خُطط محددة وواضحة للمستقبل في السنوات القريبة القادمة، وحلول للمشكلات المتكررة التي يعانيها النادي، وأتمنى أن يتم عرضها على مختصين من الفنيين والمعدين البدنيين والأطباء وخبراء الإدارة، لدراسة ما جاء فيها، وصولًا إلى خطة تغيّر مستقبل المريخ في السنوات القادمة. كما أن أهمية السلسلة تشمل الجمهور والإعلام وكافة القطاعات، لأن من شأنها أن تغيّر الكثير من مفاهيمنا الخاطئة، ولا سيما البساطة المخلة التي نتعامل بها مع كرة القدم، التي تجعلنا ندمر أنفسنا ونكرر عملية التدمير الذاتي بصورة مستمرة، لأننا نحكم على كل صغيرة وكبيرة بعاطفتنا وليس بالعقل والعلم وبالنظام الذي يحكم كرة القدم حاليا