ظاهرة مائية غريبة تهدد النخيل في الشمالية بالموت
- آلاف الهكتارات تواجه خطر الإختناق المائي
- دعوات لإنقاذ الشريط النيلي قبل فقدان هويته الإنتاجية
- مزارع ملخصا الكارثة: تحفر شبرين تلقى موية والنخلة بقت تختنق
حسينارتي ــ عادل الحاج:
ظاهرة مائية غريبة أصبحت تهدد أشجار النخيل بالولاية الشمالية بالموت.. آلاف الهكتارات تواجه خطر (الإختناق المائي).. أصناف نادرة من التمور مهددة بالزوال.. خبراء يحذرون من كارثة محققة يمكن ان تصيب إقتصاد الولاية الشمالية في مقتل.. هذه رسائل تحذيرية سريعة يحملها هذا التحقيق الصحفي الميداني عما يحدث لأشجار النخيل بالولاية الشمالية وأصبحت تهدده بالموت واقفا.. فإليكم التفاصيل الموجعة.
ظاهرة النز:
على ضفاف النيل في الولاية الشمالية، حيث تمتد القرى في هدوءٍ مهيب من نوري، وتنقاسي، والقرير، والزومة، وقنتي، والعفاض وتنقسي، مروراً بدنقلا، وصولاً إلى مناطق السكوت والمحس، تتشكل واحدة من أعرق البيئات الزراعية في السودان.. هنا لا تُزرع الأرض فحسب، بل تُورث جيلاً بعد جيل.. وسط هذا الإمتداد الأخضر، تتربع شجرة النخيل كرمزٍ للحياة والصبر والعطاء، منها خرجت أجود أنواع التمور التي شكّلت العمود الفقري لإقتصاد المنطقة، مثل: القنديل، والبركاوي، والمِشرق بأنواعه: (ود خطيب ــ ود لقّاي ــ التمودة ــ البرحي ــ والجاو).. أسماء ليست مجرد محاصيل، بل تاريخ وهوية ومصدر رزق لالاف المواطنين بالولاية الشمالية.. لكن هذا المشهد الذي يبدو ثابتاً، بدأ يتصدع بصمت، فهناك خطر يتسلل من تحت الأرض خطر لا يُرى، لكنه يضرب في العمق إنها ظاهرة (النزّ) .. فحين تصبح المياه عبئاً في مفارقة لافتة، لم تعد المشكلة في قلة المياه، بل في وفرتها غير المنضبطة.
المزارعون الذين طالما عانوا من شح المياه، باتوا اليوم يواجهون
نقيضا تماما: تحفر شبرين تلقى موية.. والنخلة بقت تختنق.. هكذا يلخص أحد مزارعي منطقة القرير واقع الحال، وأضاف: النزّ أو إرتفاع منسوب المياه الجوفية، يؤدي إلى تشبع التربة بالمياه، مما يمنع دخول الهواء إلى الجذور، ومع مرور الوقت تبدأ الجذور في التعفن وتفقد قدرتها على إمتصاص العناصر الغذائية، فتصبح الشجرة في حالة ضعف تدريجي قد تنتهي بالموت.
مؤشرات مزعجة:
رغم شهرة النخيل بقدرته على التحمل، إلا أنه لا يحتمل الغرق المستمر، فالتوازن بين الماء والهواء في التربة هو شرط أساسي
لبقائه حيا، ومع تفاقم ظاهرة النزّ بدأت تظهر مؤشرات مقلقة ومزعجة في مزارع النخيل، كإصفرار السعف، وتراجع النمو، وضعف الإنتاج،السنوي من التمور، وتساقط الثمار قبل إكتمال نضجها.. ويؤكد عدد من المزارعين بمنطقتي تنقاسي و القرير، أن أشجاراً معمرة من صنف البركاوي، الذي يُعد من أجود التمور السودانية وذات عائد إقتصادي جيد، بدأت تفقد إنتاجيتها بشكل ملحوظ، بينما تضررت أشجار القنديل المعروفة بجودتها العالية في الأسواق المحلية.
القاتل الخفي:
تمتاز الولاية الشمالية بتنوع فريد في أصناف التمور، حيث تختلف من منطقة إلى أخرى، وتُعرف كل قرية بمنتجها المميز، ففي نوري والقرير، يبرز البركاوي و المِشرق (ود خطيب و ود لقّاي) كأهم الأصناف التجارية، بينما تشتهر مناطق السكوت والمحس بأصناف مثل (القنديل والتمودة) ذات الطعم المميز..أما في دنقلا والمناطق المجاورة، فتنتشر زراعة (البرحي)، وهو صنف ذو قيمة إقتصادية متزايدة، بجانب الأصناف الأخرى كالجاو المحسن..لكن هذه الأصناف، التي ظلت لسنوات طويلة تمثل مصدر دخل رئيسي، باتت اليوم مهددة بفعل تغيرات التربة وإرتفاع الملوحة الناتجة عن النزّ
فمع صعود المياه الجوفية، ترتفع معها الأملاح الذائبة، لتترسب على سطح التربة، وتظهر هذه الظاهرة في شكل طبقة بيضاء، سرعان ما تتحول إلى عائق حقيقي أمام نموء الأشجار وقتلها.. يقول، الفاتح عبد الله قيلي، من منطقة تنقسي الجزيرة، وهو أحد المهتمين بزراعة التمور
الملوحة لا تؤثر فقط على الإنتاج، بل تغيّر خصائص التربة نفسها، ما يجعل إستصلاحها لاحقاً أكثر كلفة وتعقيداً مما يضيف عبئا جديداً على المزارعين في الولاية الشمالية.
تأثيرات السد:
منذ إنشاء سد مروي، شهدت المنطقة تحولات بيئية كبيرة، فالبحيرة الضخمة التي خلفها السد ساهمت في تغيير حركة المياه الجوفية، وهو ما يرجح أنه أحد أسباب إرتفاع منسوبها في بعض المناطق،
لكن مختصين يرون أن ربط النزّ بالسد فقط فيه تبسيط مخل، مؤكدين أن المشكلة ناتجة عن تداخل عدة عوامل، من بينها، غياب شبكات الصرف الزراعي الفعالة، والإعتماد على الري بالغمر بكميات كبير، و تسرب المياه من القنوات غير المبطنة، وضعف التخطيط الزراعي.
آثار الأزمة:
لا تمثل التمور مجرد محصول زراعي، بل هي ركيزة أساسية للإقتصاد المحلي في الشمالية، إذ تعتمد آلاف الأسر على عائدات بيع التمور، سواء في الأسواق المحلية أو عبر التصدير، ومع تراجع الإنتاج، بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح والمتمثلة في إنخفاض دخل المزارعين، وإرتفاع تكاليف الإنتاج، و تراجع القدرة على التصدير، وهجرة بعض الأسر من الريف.. حيث قال أحد المزارعين من منطقة دنقلا:” زمان كنا نبيع التمر ونعيش مرتاحين الآن بالكاد نغطي التكاليف.
في جولة ميدانية لـ(أصداء سودانية) بين القرى والمناطق بالولاية الشمالية، تتكرر نفس الشكاوى، وإن إختلفت التفاصيل.. ففي نوري، يشكو مزارعون من تدهور واضح في إنتاج البركاوي والمِشرق، بينما في القرير، يلاحظ المزارعون تغيراً في طعم وجودة
البركاوي.. أما في مناطق المحس، فيتحدث الأهالي عن تراجع ملحوظ في إنتاج القنديل والتمودة ، الذي كان يُعد من أهم مصادر
الدخل عندهم.. هذه الشهادات، رغم طابعها المحلي، تعكس أزمة أوسع تمتد على طول الشريط النيلي بالولاية الشمالية.
أين الحل؟:
يرى خبراء زراعيين أن معالجة النزّ تتطلب تدخلات متكاملة، تبدأ بفهم دقيق لطبيعة المشكلة، وتنتهي بتنفيذ حلول عملية على الأرض.

ويقول المستثمر والمهندس الزراعي، عبد الحفيظ عبد العال بشير: يُعدّ النزّ من أخطر المشكلات الزراعية التي تهدد بساتين النخيل في الولاية الشمالية، إذ يؤدي إرتفاع منسوب المياه الأرضية وتسربها إلى منطقة الجذور إلى اختناقها وضعف قدرتها على إمتصاص العناصر الغذائية، ما ينعكس مباشرة في تراجع نمو النخيل وإنخفاض إنتاجيته، بل قد يتسبب في إصفرار السعف وجفاف الأشجار وموت بعضها في الحالات المتقدمة.. كما يفاقم النزّ مشكلة تملّح التربة نتيجة تبخر المياه الراكدة وتركز الأملاح حول الجذور، وهو ما يعد من أبرز أسباب تدهور الأراضي الزراعية في البيئات الجافة.. وتشير دراسات علمية إلى أن تشبع التربة بالمياه وإرتفاع الملوحة من العوامل الرئيسة التي تضعف إنتاج النخيل وتقلل جودة ثماره، مما يجعل التدخل العاجل ضرورة لا تحتمل التأجيل.. و أنجع وسائل المكافحة تتمثل في الري بالغمر المنظّم للمساعدة في غسل الأملاح، مع إنشاء شبكات فعالة لتصريف المياه الزائدة وخفض منسوبها، حفاظاً على ثروة النخيل التي تمثل عماد الإقتصاد الزراعي والإجتماعي بالمنطقة.. فظاهرة النزّ والطفح المائي تتطلب تدخلاً سريعاً حتى لا تستفحل المشكلة.. ومن أبرز الحلول لذلك
إنشاء شبكات صرف زراعي وهي الحل الأكثر فاعلية، حيث تساعد في خفض منسوب المياه الجوفية، وتحسين تهوية التربة.. ومن الحلول التحول إلى الري الحديث مثل الري بالتنقيط، الذي يقلل من كميات المياه المستخدمة، ويمنع تشبع التربة.. بجانب ضرورة تبطين
القنوات للحد من تسرب المياه إلى باطن الأرض.. والتوعية
والإرشاد الزراعي لمساعدة المزارعين على تبني ممارسات زراعية أفضل..والدعم الحكومي المباشر لتعويض المزارعين المتضررين، وتمويل مشاريع الصرف.
سباق مع الزمن:

يؤكد مختصون أن الوقت عامل حاسم في هذه الأزمة، فكل موسم يمر دون معالجة، يعني مزيداً من التدهور، ومزيداً من الخسائر
واضافوا: إذا إستمر الوضع كما هو، سنفقد جزءاً كبيراً من أراضينا بالولاية الشمالية خلال سنوات قليلة.
وفي سياق ذي صلة يقول، صديق الشيخ إبراهيم، من قرية حسينارتي بريفي الدبة، وهو أحد المزارعين المهتمين بزراعة النخيل: نحن لا ننظر إلى النخيل كمجرد شجرة، بل كرمز للحياة والإستقرار، فهي جزء من ذاكرتنا القومية في الشمالية، ومن تفاصيل حياتنا اليومية..تحت ظله نشأ الناس، ومن ثماره عاشوا، وبجذوره إرتبطوا بالأرض.
قبل فوات الآوان:
وفي الختام نتساءل.. هل نتحرك قبل فوات الأوان؟.. فظاهرة النزّ ليست مجرد خلل بيئي عابر، بل إنذار مبكر لأزمة قد تعصف بواحدة من أهم المناطق الزراعية في السودان.. فبينما تستمر المياه في الزحف تحت الأرض، يبقى السؤال الأهم:
هل تتحرك الجهات المعنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم ننتظر حتى تتحول نخيل الشمالية إلى ذكرى عالقة بالخيال؟.