آخر الأخبار

رصاصة في قلب واشنطن

أشرف محمد محمود

*في قلب العاصمة الأمريكية، انطفأت الأنوار فجأة داخل أكبر قاعات فندق هيلتون، محولة احتفالية بروتوكولية إلى مشهدٍ هوليوود من الهرج والضجيج.. في لحظة كان يفترض أن تكون احتفالية بروتوكولية داخل أحد أكثر المواقع تحصينًا في العاصمة الأمريكية، تحولت قاعة فندق هيلتون في واشنطن إلى مسرح لحدث صادم أعاد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من العنف السياسي في الولايات المتحدة. محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل واقعة مركبة كشفت عن ثغرات خطيرة، وأثارت تساؤلات أعمق حول طبيعة الصراع السياسي الداخلي، وحدود توظيف الأزمات في إعادة تشكيل السياسات الكبرى.

*منذ اللحظات الأولى، انشغلت وسائل الإعلام العالمية بتفكيك ما جرى الحدث، وقع خلال تجمع رسمي رفيع المستوى حضره ترامب إلى جانب كبار المسؤولين، في سابقة لافتة كونه لطالما انتقد مثل هذه المناسبات. المكان نفسه يتمتع بإجراءات أمنية استثنائية، حيث تتولى أجهزة متعددة تأمينه بشكل كامل قبل أسابيع من أي فعالية، مع منظومة تحقق معقدة للمدعوين وحواجز تفتيش متعددة الطبقات.

*ورغم هذا الطوق الأمني المشدد، تمكن منفذ العملية، وهو شاب أمريكي في الحادية والثلاثين من عمره، من التسلل إلى قلب الحدث. السلطات ألقت القبض عليه دون إصابات، بينما تم إجلاء الرئيس والحضور بسرعة. لم يصب ترامب بأي أذى، لكن الصدمة لم تكن في الرصاصة بقدر ما كانت في السؤال: كيف حدث ذلك أصلًا؟

المفارقة أن الحادثة أعادت إلى الواجهة سجلًا تاريخيًا مشابهًا، إذ شهدت الولايات المتحدة مرارًا محاولات اغتيال لرؤساء أو قادة سياسيين، من اغتيال أبراهام لينكولن بعد الحرب الأهلية، إلى رصاصات أصابت رونالد ريغان ونجا منها، وصولًا إلى اغتيال جون كينيدي في ذروة الحرب الباردة. في كل مرة، لم يكن الحدث مجرد جريمة، بل نقطة تحول أعادت توجيه السياسات الداخلية والخارجية معًا

*لكن ما جعل حادثة واشنطن الأخيرة أكثر إثارة للجدل لم يكن فقط الاختراق الأمني، بل سلسلة من المؤشرات الغامضة التي ظهرت قبل وبعد إطلاق النار. تصريحات إعلامية سبقت الحدث بدت للبعض وكأنها تلميح غير مباشر لوقوع شيء استثنائي، وشهادات من داخل القاعة تحدثت عن تحذيرات مبهمة صدرت قبل دقائق من الحادث.. ثم جاء ظهور ترامب السريع بعد أقل من ساعة في مؤتمر صحفي، متحدثًا بثقة لافتة عن النجاة وضرورة تعزيز تحصين البيت الأبيض، ليضيف طبقة جديدة من الأسئلة حول توقيت الخطاب ومضمونه.

*وفي خضم هذه الضبابية، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من النظريات صورة نُسبت للمنفذ بملابس تحمل رموزًا مرتبطة بإسرائيل، وحسابات قديمة تحمل إشارات غامضة، ومزاعم عن حذف محتوى من منصات رقمية كبرى. لا شيء من ذلك ثبت بشكل قاطع، لكن سرعة انتشار هذه الروايات تعكس حالة انعدام الثقة المتزايدة داخل المجتمع الأمريكي، حيث أصبحت كل حادثة كبرى أرضًا خصبة للتأويل والتشكيك.

*على المستوى الرسمي، لم تعلن الجهات الأمنية حتى الآن دافعًا واضحًا للهجوم.. تقارير أولية تحدثت عن إخفاقات في التنسيق بين الأجهزة، بينما وصفت لجان رقابية ما حدث بأنه إخفاق صادم.. هذا الغموض فتح الباب أمام تفسيرات سياسية، خاصة في ظل مناخ استقطاب حاد تعيشه الولايات المتحدة، حيث تصاعدت في السنوات الأخيرة لغة العنف في الخطاب العام.

*لكن الأهم من ذلك هو كيف تحولت الحادثة سريعًا إلى أداة سياسية. ترامب نفسه لم ينتظر طويلًا لربط ما جرى بسياقات أوسع، متحدثًا عن استمرار المواجهة مع إيران، ومؤكدًا أنه لن يتراجع عن سياساته الخارجية.. هذا الربط لم يكن جديدًا، إذ سبق أن أشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى أن فريقه درس سيناريوهات تصعيد ضد طهران في حال تعرضه لتهديد مباشر.

*هنا تتكرر القاعدة التي رصدها التاريخ الأمريكي مرارًا: الأزمات الداخلية الكبرى غالبًا ما تُعاد صياغتها لتخدم أهدافًا خارجية. اغتيال كينيدي مهّد لتصعيد في فيتنام، ومحاولة اغتيال ريغان عززت موقفه في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وحتى الحوادث الأقدم كانت تُستثمر لإظهار الحزم الأمريكي أمام العالم. وفي الحالة الراهنة، يبدو أن استدعاء اسم إيران ليس سوى انعكاس لهذا النمط، حيث تُستخدم لحظة الصدمة لتعزيز خطاب الردع.

*سياسيًا، قد تمنح الحادثة ترامب دفعة قصيرة المدى.. صورته كـالناجي تعزز روايته لدى أنصاره، وتخلق موجة تعاطف يمكن أن تُترجم إلى دعم انتخابي وتمويل سياسي. لكن على المدى الأبعد، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.. تصاعد العنف السياسي قد يثير قلق الناخبين المستقلين، ويعمق الانقسام داخل المجتمع الأمريكي، وهو ما قد يتحول إلى عبء بدلًا من مكسب.

*هل يستقيم عقليًا أن تحدث محاولة بهذا الشكل؟ الفكرة التي تبدو غير منطقية هي: كيف يخترق شخص واحد منظومة تضم أجهزة مثل الخدمة السرية وFBI وCIA

، ويدخل بسلاح بسيط؟ الإجابة الأقرب للواقع ليست في استحالة الحدث، بل في طبيعة العمل الأمني نفسه.. الأنظمة الأمنية، مهما بلغت قوتها، تعمل على مبدأ تقليل المخاطر وليس إلغائها. في أي حدث كبير، هناك آلاف التفاصيل الصغيرة: موظفون، ضيوف، مسارات حركة، نقاط تفتيش، غرف خدمات، مداخل فرعية. أي خلل بسيط في حلقة واحدة قد يفتح نافذة السيناريوهات الواقعية للاختراق عادة تكون واحدة من ثلاثة.

– ثغرة إجرائية: خطأ في التفتيش أو التحقق من الهوية، خصوصًا إذا كان المنفذ داخل الفندق كنزيل.

– سلاح منخفض البصمة: مسدس صغير يسهل إخفاؤه مقارنة بأسلحة أكبر، خاصة إذا لم يكن الهدف تنفيذ هجوم واسع بل إحداث فوضى أو محاولة قريبة.

– تراخي لحظي: حتى أكثر الأنظمة صرامة تمر بلحظات ضغط أو ازدحام أو انتقال، وهي اللحظات التي يستغلها المنفذون.

*التاريخ يقدم أمثلة واضحة: محاولة اغتيال ريغان تمت في ساحة عامة رغم الحماية، واغتيال كيندي تم من موقع لم يُؤمَّن بالشكل الكافي. إذن الاختراق ليس دليلًا تلقائيًا على التمثيل، بل قد يكون دليلًا على فشل بشري.. لماذا تبدو الحادثة للبعض كأنها تمثيلية؟.