آخر الأخبار

حين تهاجر الأجساد ويبقى الوطن مقيمًا في القلوب(1-2)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*جاءت كلمات الزميلة منال بشير محملة بصدق المشاعر ونبل المقاصد، وهي كلمات لا يمكن النظر إليها بوصفها إطراءً لشخص بعينه، بقدر ما هي تعبير عن حاجة وطن يمر بمنعطف تاريخي بالغ التعقيد إلى خطاب عقلاني يفتح نوافذ الأمل وسط ركام الأزمات، ويؤمن بأن السودان أكبر من خلافاته، وأوسع من جراحه، وأغنى من أن تختصره لحظة حرب أو أزمة سياسية عابرة.

*ومن هذه الزاوية تبرز فكرة (وهج الغربة) باعتبارها واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية تأثيرًا في تاريخ الشعوب والأمم.. فالغربة ليست مجرد إقامة خارج حدود الوطن، وإنما حالة وجدانية ومعرفية تجعل الإنسان أكثر التصاقًا بجذوره كلما ابتعد عنها. ولهذا كثيرًا ما يتحول البعد الجغرافي إلى قرب معنوي، وتصبح المسافات الطويلة وسيلة لاكتشاف الوطن أكثر مما لو بقي الإنسان داخله.

*عبر التاريخ لم تكن الهجرة لعنة مطلقة كما يصورها البعض، بل كانت في أحيان كثيرة مصدرًا من مصادر النهضة الإنسانية.. فالكثير من الأفكار الكبرى والمشروعات الوطنية والتجارب التنموية الناجحة ولدت في عقول أشخاص عاشوا خارج أوطانهم، واكتسبوا خبرات جديدة ثم عادوا بها ليسهموا في بناء مجتمعاتهم. ولذلك لم تعد الدول المتقدمة تنظر إلى جالياتها في الخارج باعتبارها خسارة وطنية، بل تعتبرها امتدادًا استراتيجيًا لقوتها الاقتصادية والعلمية والثقافية.

*والسودانيون في مختلف أنحاء العالم يمثلون نموذجًا حيًا لهذه الحقيقة.. فقد انتشروا في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وأفريقيا وآسيا، ونجحوا في إثبات حضورهم في الطب والهندسة والتعليم والإدارة والإعلام والاقتصاد والبحث العلمي. ولم يكن هذا النجاح نجاحًا فرديًا فحسب، بل تحول إلى صورة إيجابية للسودان وشعبه أينما وجدوا.

*ولعل ما يميز السوداني في الغربة أنه يحمل وطنه معه أينما ذهب. يحمل لهجته وذاكرته وقيمه الاجتماعية وروح التكافل التي تربى عليها. ولذلك تجد أن أول ما يفكر فيه المغترب السوداني بعد تحقيق الاستقرار هو أسرته الممتدة ووطنه وأهله، وكثيرًا ما تصبح تحويلاته المالية سندًا لعائلات كاملة، بينما تتحول خبراته وعلاقاته إلى جسور تصل السودان بالعالم.

*غير أن القيمة الحقيقية للغربة لا تكمن في المال وحده، وإنما في المعرفة. فالعالم المعاصر لا يُقاس بحجم الثروات الطبيعية فقط، بل بحجم المعرفة والخبرة والكفاءة. والمغترب السوداني الذي يعمل في جامعة عالمية أو مستشفى متقدم أو مؤسسة اقتصادية كبرى يكتسب كل يوم معرفة جديدة يمكن أن تصبح يومًا ما جزءًا من مشروع نهضة وطنية متكامل إذا أحسن السودان الاستفادة من أبنائه المنتشرين في الخارج.

*ومن المؤسف أن بعض الخطابات الضيقة ما زالت تنظر إلى المغترب باعتباره شخصًا غادر وطنه وابتعد عن قضاياه، بينما تثبت الوقائع عكس ذلك تمامًا.. فالسودانيون في الخارج كانوا في مقدمة الداعمين لأسرهم ومجتمعاتهم خلال سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية والكوارث الإنسانية، وأسهموا في دعم المبادرات المجتمعية والتعليمية والصحية والإغاثية بدرجات تفوق أحيانًا إمكانات مؤسسات رسمية كاملة.

*وفي هذا السياق تبرز أيضًا ظاهرة أخرى تستحق التوقف عندها، وهي محاولة بعض الأصوات احتكار مفهوم التضحية أو الإنجاز الوطني استنادًا إلى وجودها في مواقع العمل خلال سنوات الحرب. فبعد استئناف بعض أنشطة مؤسسات الدولة، ومن بينها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، برز خطاب يوحي أحيانًا بأن الذين أمضوا سنوات العمل في بورتسودان أصبحوا وحدهم أصحاب الحق في الحديث باسم المؤسسة أو تقييم زملائهم. والحقيقة أن كل جهد بُذل في ظروف الحرب يستحق التقدير والاحترام، لكن ذلك لا يمنح أحدًا حق مصادرة حقوق الآخرين أو الانتقاص من مهنيتهم. فالذين لم يتمكنوا من الوصول إلى بورتسودان أو حُرموا من أداء واجباتهم بسبب الظروف الأمنية والإدارية ليسوا أقل انتماءً ولا أقل كفاءة من غيرهم.. بل إن العدالة المهنية تقتضي الاعتراف بأن الفرصة لم تكن متاحة للجميع على قدم المساواة. ولذلك فإن تحويل الظروف الاستثنائية إلى معيار للتمييز بين العاملين أو إلى وسيلة لاحتكار المؤسسات يمثل خطأً أخلاقيًا ومهنيًا لا يخدم مشروع إعادة البناء الوطني. فالمؤسسات العامة لا تُدار بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما بمنطق الحقوق المتساوية والكفاءة المهنية والواجب الوظيفي.

*إن السودان اليوم يحتاج إلى مصالحة واسعة مع طاقاته البشرية في الداخل والخارج. يحتاج إلى استدعاء العقول لا إلى إقصائها، وإلى جمع الخبرات لا إلى تصنيفها، وإلى بناء مشروع وطني يستفيد من الطبيب في المهجر كما يستفيد من المزارع في القرية، ومن الأستاذ الجامعي في أوروبا كما يستفيد من الموظف في المؤسسة الحكومية، ومن الإعلامي الذي واصل العمل في ظروف الحرب كما يستفيد من زميله الذي حالت الظروف دون الوصول إلى موقع العمل.

*لقد علمتنا تجارب الشعوب أن النهضة لا يصنعها جيل واحد ولا فئة واحدة ولا مدينة واحدة. إنها ثمرة جهد جماعي تشارك فيه العقول والخبرات والإرادات المختلفة. وكلما اتسعت دائرة المشاركة الوطنية ازدادت فرص النجاح والاستقرار.

*ولعل أجمل ما في الغربة أنها تمنح الإنسان منظورًا أوسع لرؤية وطنه. فهي تكشف له نقاط القوة التي يملكها، كما تكشف له مواطن الخلل التي تحتاج إلى إصلاح.. ولذلك يصبح المغترب الحقيقي أكثر قدرة على المقارنة والاستفادة من التجارب الإنسانية الناجحة، وأكثر إيمانًا بأن السودان قادر على النهوض مهما كانت التحديات كبيرة.

*ولهذا أصابت الأستاذة منال بشير حين تحدثت عن الحاجة إلى العقول التي تنظر إلى المستقبل وتؤمن بإمكان صناعة غد أفضل للأجيال القادمة. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ، ولا بالخصومات الدائمة، ولا بالاستغراق في سرديات الماضي، وإنما تُبنى بالرؤية والمعرفة والعمل المشترك والإيمان بأن الوطن يتسع للجميع.

*إن وهج الغربة ليس حنينًا عابرًا ولا دمعة على أطلال الذكريات، بل هو طاقة أخلاقية ومعرفية هائلة تختزنها أرواح ملايين السودانيين المنتشرين حول العالم. وهؤلاء ليسوا غرباء عن وطنهم مهما ابتعدوا، بل هم امتداد له، يحملونه في وجدانهم كما يحملون أسماءه ولهجاته وأحلامه.

*فالوطن الحقيقي ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة، بل فكرة عظيمة تسكن النفوس، وقيم مشتركة تجمع الناس، وأمل لا ينطفئ مهما اشتدت العواصف. ولذلك سيظل السودان حاضرًا في قلوب أبنائه داخل البلاد وخارجها، وسيبقى وهج الغربة نورًا يهدي إلى المستقبل، لا ظلامًا يعزل الإنسان عن وطنه، حتى يأتي اليوم الذي يستعيد فيه السودان عافيته ومكانته ويصبح وطنًا يليق بأحلام أبنائه وتضحياتهم وإيمانهم الراسخ بأن الغد يمكن أن يكون أجمل من الأمس.