آخر الأخبار

الحنين وطنٌ لا تغادره الأرواح

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*يتملك المرء في كثير من الأحيان شعور عميق من الحنين لما بات متسرباً من بين أصابع اليد فأضحى ذكريات جميلة يمر طيفها بين الآونة والأخرى.

*فكلما أثقلت هموم الحياة الفرد يجد ملاذاً في الحنين فتجرفه ذكرياته لما مضى وماكان قابعاً بين الحنايا فتسود حالة وجدانية أعماقه يمتزج فيها الألم لما أضحى مفقوداً والسعادة بذكري أيام وسنوات كالشهد في حلاوتها.

*فالذكريات أوطان صغيرة تجترها العقول بين الفينة والأخرى ولاسيما إن كان هنالك حدث ما يؤججها، وكل إنسان على وجه البسيطه له ماله من ذكريات يحن إليها ومن تيار حنين يجرفه وفق ماكان ومتى ماشاء.

*وقد كان الحنين ومازال حاضراً بقوة في الشعر، حيث عبر الشعراء عن شوقهم للأوطان، والأحباب، وأيام الصبا، فالإنسان بطبعه يميل إلى استرجاع ما فقده، ويجد في الذكريات دفئاً يخفف قسوة الحاضر.

*ففي رائعته أعلى الجمال تغار منا يقول الشاعر الفذ إدريس جماع الذي يحن في هذا البيت للصبا وللطفولة

ﺫﻫـﺐَ ﺍﻟﺼـﺒﺎ ﺑﻌُﻬﻮﺩِﻩِ

ﻟﻴﺖَ ﺍﻟﻄِـﻔُﻮْﻟﺔَ ﻋـﺎﻭﺩﺗﻨﺎ

بينما محمود سامي البارودي يصف الحنين وعدم قدرة المرء على إخفاء شوقه فيقول:

أَبَى الشَّوْقُ إِلَّا أَنْ يَحِنَّ ضَمِيرُ

وَكُلُّ مَشُوقٍ بِالْحَنِينِ جَدِيرُ

وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَرءُ كِتْمَانَ لَوْعَةٍ

يَنِمُّ عَلَيْهَا مَدْمَعٌ وَزَفِيرُ

وكذلك نظم محمود درويش درر في الحنين فقال:

أحنُّ إلى خبز أمي

وقهوة أُمي

ولمسة أُمي

*فهذه الكلمات الرقيقة البسيطة تحمل بين طياتها مشاعر عميقة من الشوق والارتباط بالجذور والعائلة.

*ويجد الحنين إلى الديار مكانته في الكثير من الأشعار على مرّ الحقب والعصور وإلى يومنا هذا. فمن تلك الأبيات التي تتربع على عرش القريض ماقاله أبوتمام

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى

وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ

وفي العصر العثماني جادت قريحة الشاعر الأمير الصنعاني بأبيات شعر خلابة عن الحنين فقال:

سلام على تلك الديار وأهلها

ديار بعين القلب صرت أراها

لئن بعدت عنا وشط بها النوى

فما شط عن قلب المحب هواها

فما لذ لي شيء سوى ذكرها

ولاتملك قلبي المستهام سواها

*الحنين يظل باقياً مابقيت الحياة فهو نافذة يستعيد المرء من خلالها ذكريات عاشها وشكلت جزءاً من حياته فظلت قابعة في دواخله.

نهاية المداد:

في الحنين، لا فرق بين يوم أو عام أو عقد أو عمر، فحجم الاشتياق يفوق فكرة الزمن

 (جبران خليل جبران)