آخر الأخبار

الإعلام الوطني ليس خصماً للحكومة ولا بوقاً مأجوراً

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في خضم حرب معقدة وظروف استثنائية تمر بها البلاد، تزداد الحاجة إلى خطاب رسمي متزن، يراعي حساسية المرحلة، ويحافظ على وحدة الجبهة الوطنية، ويعزز الثقة بين مؤسسات الدولة والقوى المجتمعية التي وقفت إلى جانب الوطن في أحلك الظروف.. ومن هذا المنطلق، فإن التصريحات التي أدلى بها وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر خلال استضافته في قناة الجزيرة مباشر تستحق وقفة موضوعية ومسؤولة، ليس من باب الخصومة أو التصيد السياسي، وإنما من باب الحرص على مكانة الإعلام الوطني ودوره في معركة الوعي والبناء الوطني.

*ومن الإنصاف القول إن الأستاذ خالد الإعيسر ليس من الشخصيات المعروفة بعدائها للإعلام أو تقليلها من شأن الإعلاميين، بل على العكس من ذلك، فقد جاء إلى موقعه الحالي من رحم المهنة، وعرف عنه تقديره للعاملين في الحقل الإعلامي وإدراكه لأهمية الرسالة التي يؤدونها. لذلك فإن كثيرين تعاملوا مع تلك التصريحات باعتبارها زلة لسان أو تعبيراً لم يكن موفقاً في صياغته أو توقيته أكثر من كونها موقفاً مبدئياً مستقراً تجاه الإعلاميين.

*غير أن المشكلة في مواقع المسؤولية العليا لا تكمن فقط في النوايا، وإنما في أثر الكلمات وما تتركه من انطباعات وتداعيات سياسية ومهنية.. فالكلمة التي تصدر عن وزير الإعلام لا تُقرأ باعتبارها رأياً شخصياً، بل تُفهم بوصفها مؤشراً على رؤية الحكومة تجاه الإعلام ودوره وحدود علاقته بالدولة.

*لقد خاض الإعلام السوداني خلال سنوات الحرب تجربة شديدة التعقيد، اختلف الناس حول تقييمها، وتباينت الاجتهادات المهنية والسياسية بشأنها، لكن لا يمكن إنكار أن قطاعاً واسعاً من الصحفيين والإعلاميين والكتاب والناشطين انخرط في الدفاع عن الدولة السودانية ومؤسساتها من منطلق قناعات وطنية راسخة، وليس بسبب مكاسب مالية أو امتيازات خاصة.. بل إن الواقع يشهد بأن غالبية هؤلاء عملوا في ظروف قاسية، بعضهم فقد مصادر دخله، وبعضهم نزح أو هُجر من منزله، ومع ذلك واصل الكتابة والنشر والتوثيق والتصدي للحملات الإعلامية الخارجية بإمكانات محدودة وجهود ذاتية.

*ولهذا فإن أي تعميم قد يُفهم منه التشكيك في دوافع الإعلاميين أو الانتقاص من وطنيتهم يثير بطبيعة الحال ردود فعل واسعة، ليس لأن الإعلاميين فوق النقد، وإنما لأن النقد المهني يختلف عن الأحكام العامة التي قد تضع الجميع في سلة واحدة.

*والحقيقة أن الإعلام السوداني، كغيره من القطاعات، ليس كتلة واحدة متجانسة.. فهناك المهني والمجتهد، وهناك من يخطئ أو يبالغ أو يتبنى أجندات خاصة، كما توجد أصوات مؤيدة للحكومة وأخرى معارضة لها وأخرى تتخذ موقفاً نقدياً مستقلاً.. وهذه طبيعة العمل الإعلامي في كل دول العالم.. لذلك فإن معالجة الاختلالات أو التجاوزات ينبغي أن تتم عبر التحديد الدقيق والرد الموضوعي والحوار المهني، لا عبر إطلاق أوصاف عامة قد تُفسر على أنها اتهام لجماعات واسعة من العاملين في المجال.

*وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي أيضاً الإقرار بأن بعض المنصات الإعلامية ووسائط التواصل الاجتماعي تجاوزت أحياناً حدود النقد الموضوعي للحكومة إلى مساحات من التجريح الشخصي والتشكيك والتقليل من كل جهد يُبذل، وكأن المطلوب من السلطة أن تحقق المعجزات في ظرف استثنائي تعيش فيه الدولة واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث.

*فالحكومة الانتقالية الحالية تعمل وسط أوضاع معقدة تشمل الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية وتحديات إعادة الإعمار واستعادة الخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.. وهذه ظروف تجعل أي تقييم موضوعي لأدائها بحاجة إلى قدر من الإنصاف والواقعية، بعيداً عن المبالغات التي تصور كل خطوة باعتبارها فشلاً مطلقاً أو كل قرار على أنه مؤامرة ضد المواطنين.

 

*إن النقد حق مشروع، بل ضرورة وطنية لا غنى عنها، لكنه يحقق أهدافه عندما يكون قائماً على المعلومات والتحليل والبدائل، لا على الغضب والانفعالات.. كما أن الحكومة مطالبة في المقابل بأن تتسع صدورها للنقد وأن تنظر إلى الإعلام باعتباره شريكاً في التصويب والإصلاح لا خصماً يجب مواجهته أو التشكيك في دوافعه.

*ومن الدروس المهمة التي ينبغي استيعابها في هذه المرحلة أن العلاقة بين الدولة والإعلام لا يمكن أن تُبنى على الشكوك المتبادلة.. فالدولة تحتاج إلى إعلام قوي ومهني ومستقل وقادر على نقل الحقائق، والإعلام يحتاج إلى مؤسسات رسمية منفتحة على الحوار وشفافة في تقديم المعلومات وقادرة على تقبل الرأي الآخر.

*ولعل ما كشفت عنه ردود الأفعال الواسعة تجاه تصريحات الوزير يؤكد حجم الحساسية التي تحيط بالعلاقة بين الحكومة والوسط الإعلامي، كما يكشف في الوقت نفسه عن الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات الاتصال الحكومي والخطاب الإعلامي الرسمي.. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست مع الإعلام الوطني، وإنما مع الشائعات وحملات التضليل والاستقطاب الحاد وخطابات الكراهية التي تهدد تماسك المجتمع وتضعف الثقة في مؤسسات الدولة.

*إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويحتوي ولا يستعدي، ويستفيد من الطاقات الوطنية بدلاً من الدخول في معارك جانبية معها. فالإعلام الوطني الذي وقف إلى جانب الدولة في أصعب الظروف يستحق التقدير والاحترام، كما أن الحكومة التي تواجه تحديات استثنائية تستحق نقداً مسؤولاً ومنصفاً يساعدها على النجاح بدلاً من الاكتفاء بإدانتها.

*ويبقى الأمل أن تُطوى هذه الصفحة بروح من الحكمة والمسؤولية، وأن تُفهم التصريحات المثيرة للجدل في إطارها العارض لا باعتبارها سياسة رسمية تجاه الإعلاميين، وأن تبادر مؤسسات الدولة إلى تعزيز جسور الثقة مع أهل المهنة، لأن الوطن اليوم أحوج ما يكون إلى وحدة الكلمة وتكامل الأدوار، لا إلى اتساع دوائر الخلاف بين شركاء المصير الواحد.

 

*فالأوطان لا تُبنى بالصمت، كما لا تُبنى بالتخوين. وإنما تُبنى بالحوار، والاحترام المتبادل، و الإعتراف بأن الإعلام الحر والمسؤول ليس عبئاً على الدولة، بل أحد أهم أدوات حمايتها وإصلاحها وصناعة مستقبلها.