عودة 40%من سكان العاصمة.. تحدي جديد يضع الحكومة أمام خيارات محدودة
تقرير-الطيب عباس:
فاجأت الأمم المتحدة، الحكومة السودانية بإعلان نسبة جديدة للعائدين إلى ولاية الخرطوم، تجاوزت حتى التوقعات الحكومية.. وقال رئيس بعثة منظمة الهجرة الدولية بالسودان، محمد رفعت، إن ولاية الخرطوم استقبلت 1.8 مليون عائد، وهوما يمثل أكثرمن 40% من إجمالي الأشخاص الذين نزحوا منها سابقا.
وقال رفعت في تصريحات نقلتها الشرق،ان هذا الرقم يمثل بارقة أمل لإنهاء أكبر موجة نزوح شهدها السودان، فيما يعتبره مراقبون تحدياً كبيراً يتطلب من الحكومة التفكير خارج الصندوق لتوفير الخدمات لكتلة بشرية وصلت العاصمة وأخرى قادمة.
المسؤول الأممي أشار إلى انخفاض في أعداد النازحين داخليا إلى 23% مقارنة بأعلى مستوى سجله السودان مطلع العام 2025 بنحو 12 مليون نازح داخليا، ورغم وصفه للعودة ببارقة الأمل، لكن المسؤول الأممي حذر في الوقت ذاته من أن العائدين يواجهون أوضاعاً قاسية جدا بسبب الدمار الواسع وانهيار الخدمات.
وفق مراقبين فإن إحصائية الأمم المتحدة أثبت مرة أخرى فشل الحملات الممولة لعرقلة العودة الطوعية التي كان يقودها تحالف صمود والمتماهين مع المليشيا، حيث لم تنجح حملات الترويج لوباء الكوليرا بالخرطوم ولا مسألة السلاح الكيماوي، ولا القصص الكثيرة والمفبركة بشأن انعدام الأمن بالعاصمة، في أن توقف السودانيين العائدين إلى منازلهم، كما أنهت تصريحات المسؤول الأممي البارز، أي أمل في استخدام اللاجئين ككروت ضغط لإجبار الجيش على التفاوض، وانتهى كذلك كذب قائد المليشيا محمد حمدان حميدتي، وهو يحاول جاهدا تخفيف وطأة الصدمة بإدعاء أن الموجودين بالخرطوم لا يتعدون مائة، لتأتي تصريحات رئيس بعثة منظمة الهجرة الدولية بالسودان، محمد رفعت بمثابة إهالة الثرى على مصداقية قائد الجنجويد.
ومع أن الرقم الذي أعلنته بعثة الهجرة الدولية بالسودان كبيراً ومفاجئاً، غير أن مراقبون يعتبرون الرقم غير دقيق، وأكبر من ذلك، مشيرين إلى استمرار تدفق العائدين وأوضحوا أن حركة العودة بالمطارات والمنافذ البحرية والبرية السودانية لم تتوقف قبل وأثناء وبعد إحصائية الأمم المتحدة، ما يعني أن الرقم متحرك وباستمرار.
داخليا، فإن الحكومة السودانية يبدو أنها لم تكن مستعدة لاستقبال هذا العدد الكبير من العائدين، حيث لا يزال هناك قصور بائن في توفير الخدمات الأساسية سيما في المدن التي شهدت عودة أكبر.
ويتوقع مراقبون أن تمثل العودة الكبيرة للسودانيين صفعة تنبيهية للمسؤولين الذين لا يزالون يختبون تحت لافتة الحرب للهروب من استحقاقات المنصب، واعتبر الباحث دكتورمحمد المصطفى، أن حكومة الأمل بقيادة كامل إدريس، بحاجة للعمل في الجانب الخدمي بشكل أوضح وأوسع، وأن مسألة التبرير بوجود حرب محاولة للهرب من الاستحقاقات، مشيراً إلى أنه وللأسف فإن معاناة المواطنين تبدأ من إهمال الدولة لهم من لحظة دخولهم عبر المعابر، مشيراً لما حدث من فوضى واكتظاظ لألاف العائدين في معبر أرقين الحدودي مع مصر، يومي السبت والأحد الماضيين،مما أدى لوفاة فتاة متأثرة بالحر الشديد، حيث ترك العائدين تحت رحمة شركات نقل أوصلتهم المعبر واختفت بعد أخذ أموالهم، ودعا المصطفى، الحكومة السودانية للإهتمام بهؤلاء العائدين، لافتاً إلى أن أغلبهم جاء بناءً على دعوة السلطات الرسمية التي طالبتهم بالعودة لتعمير السودان.
الإحصائية الأممية بشأن العائدين، بحسب مراقبين، أثبتت مرة أخرى انتصار الحملة الرسمية السودانية، التي توجت بعودة 40% من مواطني الخرطوم في وقت وجيز وهزمت سردية تحالف صمود، الذي سعى بكل جهده لعرقلة هذه العودة بفبركة مكشوفة تخوف العائدين من الأوضاع بالخرطوم، لكن المراقبون يشيرون إلى أن الحكومة التي نجحت سياسياً بحاجة للنجاح أيضاً في الواقع، مشيرين إلى أهمية إعادة أحياء لجنة تهيئة بيئة العودة والتي كان يرأسها عضو مجلس السيادة إبراهيم جابروتحولت ضمن اختصاص رئيس الوزراء، ومنذ ذلك الوقت وهى بعيدة عن دائرة الضو والفعل.
لكن من حسن الحظ وفق الباحث محمد المصطفى، فإن العائدون طواعيةً لا يتأثرون بتوفر الخدمات من عدمها، ولا بوجود اهتمام أو اهمال حكومي، وأشار إلى أنهم سودانيون عائدون إلى منازلهم ويرغبون في تدبر ظروف حياتهم ومعالجتها بشكل فردي، وبالتالي فإن النسبة الأكبر من هؤلاء، لا يتخوفون من تحذيرات تحالف صمود ولا يستعجلون من أجل وعود حكومية، ووفق دكتور المصطفى، فإن العودة ستستمر وبوتيرة متسارعة حال توفر الأمن فقط، معتبراً أنه من الجيد أن يكون الملف الأمني بيد الجيش وجهاز المخابرات والشرطة، فبخلاف أنهم نجحوا في بسط الأمن بكامل العاصمة، فإن هذه المؤسسات الثلاثى لا تزال مصدر الثقة الوحيدة، وهو ما لم يتوفر لحكومة رئيس الوزراء كامل إدريس للأسف حتى الأن.
يبقى القول بحسب مراقبين، إن الإحصائية الأممية عن عودة اللاجئين والنازحين بقدرما أنها شهادة لنجاح حكومة الأمل سياسياً، فإنها قد تكون أحد أهم أسباب فشلها، سيما مع العجز في توفير الخدمات، معتبرين أن احتجاجات منطقة عبري بالولاية الشمالية آداة تنبيه مبكرة للحكومة بأن الأوضاع لا يمكن أن تستمر هكذا وأن المواطنين يريدون حكومة تعمل لا حكومة تنتظر التنبيه في كل مرة للعمل.