(الحنة) السودانية … نقوش عبرت الحدود
إعداد – زلال الحسين:
في زحام ميكروباص بالقاهرة، وسط الأصوات المتداخلة والوجوه العابرة، لفتت انتباهي تفاصيل صغيرة جعلتني أتأمل.
كانت تجلس بجانبي سيدة مصرية، تتزين يداها بنقوش حنّة سودانية بدقة وإتقان.. لم تكن مجرد زخارف عابرة، بل كانت تفاصيل أعرفها جيدًا، تحمل في طياتها ذاكرة السودان: أفراحه، ولياليه المضيئة، ورائحة البخور التي تسبق المناسبات السعيدة.

قديمًا، ارتبطت الحنّة في الثقافة السودانية بالمرأة المتزوجة، وكانت بمثابة علامة تميزها بين النساء.. واليوم تغيّر الأمر كثيرًا، وأصبحت الحنّة زينة يتجمل بها الجميع، لكنها لا تزال تحتفظ بروح المكان الذي جاءت منه.
وفجأة، عادت إلى ذهني عبارة سمعتها قبل سنوات من سائق حافلة في السعودية، وأنا في طريقي لزيارة مقابر البقيع.. قال لي يومها السودانيون يتركون أثرهم أينما حلوا
مرّت العبارة سريعًا حينها، لكنها عادت إليّ بقوة داخل ذلك الميكروباص القاهري.
فكرت في آلاف السودانيين الذين حملتهم ظروف الحياة إلى بلاد مختلفة.. ربما لم يحملوا ثروات أو نفوذًا، لكنهم حملوا ما هو أبقى: عاداتهم، ولهجتهم، وفنونهم، وأسلوب حياتهم.. تركوا بصمات صغيرة لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها تعيش في تفاصيل الناس اليومية.
حينها أدركت أن الحنّة التي رأيتها لم تكن مجرد زينة على يد إمرأة مصرية، بل كانت حكاية كاملة عن ثقافة عبرت الحدود بهدوء، واستقرت في قلوب الآخرين دون ضجيج.
الأوطان لا تسافر بجوازات السفر وحدها، بل تسافر أيضًا في العادات الجميلة، وفي الذكريات، وفي الأشياء الصغيرة.