
عندما تتحول السياسة إلى تصفية حسابات: لماذا لن تبني لغة الإقصاء عدالة انتقالية في السودان؟
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها الشعوب، تصبح الكلمات أخطر من الرصاص أحيانًا، لأن الخطاب السياسي هو الذي يحدد شكل المستقبل، إما أن يقود إلى مصالحة وطنية حقيقية تؤسس لدولة مستقرة، أو يدفع البلاد نحو مزيد من الانقسام والكراهية والانتقام السياسي. والتصريحات الأخيرة التي أطلقها مبارك أردول تكشف بوضوح حجم الأزمة الفكرية والسياسية التي لا تزال تعيق بناء مشروع وطني جامع في السودان، لأنها تعكس عقلية تقوم على الانتقاء والإقصاء أكثر من اعتمادها على قيم العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
إن أخطر ما في هذه التصريحات ليس مضمونها السياسي فقط، بل الفلسفة التي تقف خلفها، وهي فلسفة ترى أن بعض القوى السياسية يمكن أن تُمنح حق المشاركة والعودة، بينما تُحرم قوى أخرى من ذلك الحق بشكل مطلق، ليس عبر القانون أو القضاء أو صناديق الانتخابات، وإنما عبر المواقف السياسية والانفعالات التاريخية. وهذه الطريقة في التفكير هي ذاتها التي أوصلت السودان إلى أزماته المتكررة منذ الاستقلال، حيث ظل كل طرف سياسي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن من حقه تحديد من يشارك ومن يُقصى، ومن يُعتبر وطنيًا ومن يُعتبر خطرًا على الدولة.
العدالة الانتقالية في معناها الحقيقي لا تُبنى على الكراهية السياسية، ولا على الرغبة في الانتقام، ولا على تصنيف المواطنين إلى فئات مقبولة وأخرى محرمة سياسيًا. العدالة الانتقالية تقوم على مبادئ واضحة، أهمها الاعتراف بالانتهاكات، والمحاسبة القانونية الفردية، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الجرائم، ثم فتح المجال أمام المجتمع بأكمله للدخول في عملية سياسية عادلة ومتوازنة. أما أن يتم الحديث عن منع تيار سياسي كامل من المشاركة في المرحلة الانتقالية أو الانتخابات، فهذا ليس عدالة انتقالية، بل إعادة إنتاج للاستبداد بصورة جديدة.
التجارب العالمية تؤكد أن الدول الخارجة من الحروب والانقسامات لا تُدار بعقلية الإلغاء. ففي جنوب أفريقيا، وبعد عقود طويلة من الفصل العنصري، لم يتم إقصاء البيض من الحياة السياسية، رغم الجرائم والانتهاكات الهائلة التي ارتُكبت. وفي رواندا، بعد واحدة من أبشع المجازر في التاريخ الحديث، اختارت الدولة مسار المصالحة الوطنية بدلًا من الحرب المفتوحة على كل من ينتمي إلى طرف معين. وحتى في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، تمت محاسبة الأفراد المتورطين في الجرائم، لا القضاء الكامل على كل من انتمى سياسيًا أو فكريًا إلى جهة معينة.
أما في السودان، فإن الخطاب السياسي لا يزال يدور داخل دائرة الثأر السياسي أكثر من التفكير في بناء الدولة. لذلك تبدو التصريحات التي تتحدث عن منع المؤتمر الوطني من الوجود في الانتخابات أو المرحلة الانتقالية استمرارًا لنفس الأزمة القديمة: أزمة احتكار الوطنية. فمن الذي يملك الحق أصلًا في منع تيار سياسي من المشاركة إذا التزم بالقانون؟ وهل الديمقراطية تعني قبول من نتفق معهم فقط؟ وإذا كانت بعض القوى قد ارتكبت أخطاء أو جرائم، فلماذا لا تتم محاسبة الأفراد عبر قضاء مستقل بدلًا من إصدار أحكام جماعية ذات طابع سياسي؟
المشكلة الحقيقية أن السودان ظل يدور في حلقة مفرغة من الإقصاء المتبادل. كل سلطة جديدة تبدأ بإبعاد خصومها، ثم يأتي خصوم الأمس لاحقًا ليكرروا الفعل نفسه. وهكذا تتحول الدولة إلى ساحة انتقام مستمر، لا إلى وطن يتسع للجميع. وهذه العقلية هي التي أضعفت مؤسسات الدولة، وأفقدت المواطنين الثقة في السياسة، وجعلت الصراع على السلطة أقوى من الصراع من أجل بناء الوطن.
كما أن الحديث عن تفكيك التمكين يجب أن يكون حديثًا قانونيًا ومؤسسيًا، لا سياسيًا وانتقائيًا. فالدولة لا تُدار بالشعارات، وإنما بالقوانين العادلة التي تطبق على الجميع دون استثناء. وأي عملية تفكيك خارج إطار العدالة والقضاء المستقل ستتحول إلى أداة انتقام سياسي، مهما كانت النوايا المعلنة. الشعوب لا تخاف من المحاسبة العادلة، لكنها تخاف من العدالة الانتقائية التي تُستخدم ضد طرف وتُغض الطرف عن آخر.
ومن التناقضات اللافتة أيضًا أن بعض القوى السياسية تتحدث عن الحوار والانفتاح مع جماعات حملت السلاح أو تورطت في النزاعات، بينما ترفض مجرد الحوار مع خصوم سياسيين مدنيين. وهذا يكشف أن معيار القبول والرفض ليس دائمًا أخلاقيًا أو وطنيًا، بل تحكمه الحسابات السياسية والتحالفات المؤقتة. ولذلك يشعر كثير من السودانيين اليوم بأن الساحة السياسية أصبحت أسيرة للمواقف الانفعالية لا للمشاريع الوطنية الجادة.
السودان الآن لا يحتاج إلى مزيد من التصعيد اللفظي أو تصنيف الناس إلى “ثوار” و”فلول” و”كيزان” و”خونة”، لأن هذه اللغة لم تنتج دولة مستقرة طوال العقود الماضية. ما يحتاجه السودان فعلًا هو مشروع وطني جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي، واحترام حق الجميع في المشاركة، والاحتكام إلى القانون وحده، لا إلى الرغبات السياسية أو مشاعر الكراهية المتبادلة.
إن بناء دولة مستقرة بعد الحرب والانقسام يتطلب شجاعة سياسية حقيقية، وهذه الشجاعة لا تعني القدرة على الإقصاء، بل القدرة على قبول الاختلاف وإدارة التنافس السياسي بصورة سلمية وعادلة. فالدول لا تُبنى بإلغاء الخصوم، وإنما ببناء مؤسسات قوية تحاسب الجميع وتحمي الجميع في الوقت نفسه.
وحين تصبح السياسة قائمة على منطق “من ليس معنا فلا مكان له”، فإن النتيجة الحتمية ستكون استمرار الانقسام، واتساع دائرة العنف، وفشل أي انتقال ديمقراطي حقيقي. ولذلك فإن السودان لن يخرج من أزمته طالما ظل الخطاب السياسي قائمًا على تصفية الحسابات بدلًا من تأسيس عقد وطني جديد يعترف بالجميع ويضع مصلحة الوطن فوق الرغبات الحزبية الضيقة.