
الإقتصاد ومعيشة الناس.. المعادلة الأصعب لاستقرار الحكم في السودان
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*من أخطاء القراءة السياسية الشائعة اختزال استقرار الدول في موازين القوة العسكرية أو التوازنات السياسية وحدها، بينما تكشف التجارب التاريخية أن الشرعية الحقيقية للحكم تُختبر يومياً في الأسواق، وفي المخابز، وفي محطات الوقود، وفي قدرة المواطنين على تدبير حياتهم دون شعور دائم بالأزمة.
*ومن يراجع تاريخ السودان السياسي منذ الاستقلال يلحظ أن الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد، سواء كانت مدنية أو عسكرية، واجهت تحديات معقدة ومتنوعة؛ حروب أهلية طويلة، انقلابات عسكرية، نزاعات أيديولوجية حادة، واستقطابات سياسية لم تهدأ تقريباً في أي مرحلة من مراحل الدولة الوطنية. غير أن المثير للتأمل أن كثيراً من هذه الأنظمة لم تبدأ لحظة تآكلها الحقيقية تحت ضغط المعارك العسكرية أو الخصومات السياسية المباشرة، وإنما تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي مست حياة المواطنين بصورة يومية، وأضعفت تدريجياً ثقة المجتمع في قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية.
*لقد ظلت التجربة السودانية تقدم نمطاً متكرراً يكاد يلازم مختلف العهود السياسية؛ فكلما عجزت الدولة عن إدارة الملفات المرتبطة بالوقود، والخبز، والكهرباء، والنقل العام، والسيولة النقدية، واستقرار الأسعار، بدأت تتشكل تدريجياً بيئة اجتماعية ضاغطة تتحول مع الوقت إلى حالة احتقان سياسي يصعب احتواؤها. وفي كثير من الأحيان، كان تأثير هذه الأزمات على استقرار الحكم أكبر من تأثير الحروب والنزاعات المسلحة نفسها، لأنها تتصل مباشرة بالحياة اليومية للمواطن ولا تترك له هامشاً واسعاً للتكيف أو الاحتمال.
*ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة السودانية أن الأزمات التي ارتبطت تاريخياً بحالات السخط الشعبي لم تكن في الغالب أزمات سياسية مجردة، وإنما أزمات تمس بصورة مباشرة الاحتياجات الأساسية للمواطنين. فقد ظلت أزمة الوقود، على امتداد عقود طويلة، واحدة من أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لأنها ترتبط بحركة المركبات ووسائل النقل، وإنما لأن المشتقات البترولية تمثل شرياناً رئيسياً للاقتصاد كله، من الإنتاج الزراعي والصناعي إلى تشغيل محطات الكهرباء وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. ولهذا كانت أي اضطرابات في هذا القطاع تنتقل سريعاً إلى بقية مفاصل الاقتصاد، وتصبح مقدمة لسلسلة أوسع من الاختلالات المعيشية.
*ولم يكن الخبز والكهرباء أقل أهمية في هذه المعادلة.. فالخبز ظل دائماً أحد أكثر المؤشرات حساسية في علاقة المواطن بالدولة، لأنه يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي اليومي للأسر، بينما تحولت الكهرباء في الدولة الحديثة إلى عصب اقتصادي لا غنى عنه للإنتاج والخدمات الصحية والاتصالات والتعليم وحركة الأسواق. وقد أثبتت التجربة أن عجز الحكومات عن إدارة هذين الملفين بكفاءة كان كفيلاً بإنتاج حالة تذمر واسعة تتجاوز حدود الضيق المعيشي لتتحول تدريجياً إلى أزمة ثقة في مؤسسات الحكم نفسها.
*ولا يقل قطاع النقل والمواصلات العامة أهمية عن ذلك، إذ ظل على الدوام أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بحياة المواطنين اليومية، لما له من تأثير مباشر على حركة العمال والطلاب والموظفين، وعلى تكلفة السلع والخدمات داخل الأسواق. ولهذا كثيراً ما كانت أزمات النقل جزءاً من حالة الاختناق الاقتصادي التي تسبق اتساع دائرة الغضب الشعبي.
*وينطبق الأمر ذاته على أزمات السيولة النقدية وارتفاع الأسعار التي برزت بصورة أكثر حدة في السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق، حين تحول الوصول إلى النقد داخل المصارف إلى أزمة يومية مستمرة هزت ثقة المواطنين في النظام المالي كله، بالتزامن مع موجات تضخم متسارعة أضعفت القدرة الشرائية وعمقت الشعور العام بفقدان السيطرة الاقتصادية. وقد كشفت تلك المرحلة بوضوح أن الاقتصاد لا يعمل فقط بالأرقام والمؤشرات، بل يقوم أيضاً على الثقة العامة، وحين تتآكل هذه الثقة تبدأ الشرعية السياسية نفسها في التآكل معها. ولم يكن من المبالغة القول إن أزمة السيولة آنذاك كانت من بين العوامل التي عجّلت بزوال النظام أكثر من كثير من التحديات السياسية الأخرى التي سبقته.
*وتزداد أهمية هذه القراءة التاريخية إذا انتقلنا إلى المشهد السوداني الراهن. فالسودان، رغم انشغاله اليوم بحرب تعد من أعنف الأزمات الأمنية والعسكرية في تاريخه الحديث، بدأ يشهد مؤشرات اقتصادية تستحق الانتباه المبكر، ليس فقط بسبب طبيعتها، وإنما بسبب تشابهها مع ذات المؤشرات التي صاحبت فترات عدم الاستقرار السياسي في تجارب سابقة.
*ففي قطاع الطاقة، بدأت تتصاعد خلال الأيام الأخيرة مؤشرات اختلال في إمدادات الوقود والمشتقات البترولية، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أزمة كهرباء مزمنة أصبحت تلقي بآثارها السالبة على النشاط الاقتصادي والإنتاج والخدمات العامة وحياة المواطنين اليومية. وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل ظروف الحرب الحالية التي تستنزف الموارد العامة وتضع الدولة أمام ضغوط مالية وتشغيلية استثنائية.
*غير أن ما يستحق التوقف عنده لا يتعلق بوجود الأزمة وحدها، وإنما بحالة الاضطراب والتقلب التي باتت تميز السياسات الاقتصادية الحكومية نفسها. فقد عادت الحكومة أخيراً، عبر البيان الصادر عن مجلس الوزراء، إلى إعلان تحملها مسؤولية استيراد المشتقات البترولية بصورة مباشرة بعد فترة كانت قد تركت فيها هذا الملف للقطاع الخاص. وهذه الخطوة، بصرف النظر عن دوافعها المباشرة، تعكس حالة مراجعة مستمرة وربما قدراً من التذبذب في إدارة أحد أهم الملفات الاستراتيجية المرتبطة بحياة الناس والاقتصاد الوطني.
*ويتعزز هذا الانطباع مع التغيرات المتكررة في سياسات وموجهات بنك السودان المركزي، خاصة فيما يتعلق بتمويل عمليات الاستيراد، وضوابط النقد الأجنبي، والسياسات المتعلقة بحركة التجارة الخارجية.. فالاقتصاد لا يعمل بكفاءة في بيئات تتسم بالتقلب المستمر في القرارات، لأن الأسواق والمستوردين والقطاع الخاص يحتاجون دائماً إلى قدر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ حتى يتمكنوا من التخطيط وإدارة سلاسل الإمداد بصورة طبيعية.
*وتصبح الصورة أكثر تعقيداً إذا أضفنا إلى ذلك ملف الذهب، الذي يمثل اليوم المصدر الأهم لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد.. فسياسات تصدير الذهب ترتبط مباشرة باستقرار سعر الصرف، وسعر الصرف بدوره يحدد قدرة الدولة على تمويل استيراد السلع الاستراتيجية وفي مقدمتها المشتقات البترولية، والقمح، والأدوية، والأسمدة. وأي اختلال في هذه الحلقة الاقتصادية المعقدة ينعكس فوراً على السوق المحلي، وعلى مستويات الأسعار، وعلى قدرة الدولة في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي المطلوب.
*إن التجربة السودانية عبر العقود تقدم درساً واضحاً؛ فالدول لا تُختبر فقط في ساحات الحرب أو في صراعات النخب السياسية، وإنما تُختبر يومياً في الأسواق، وفي استقرار الخدمات، وفي قدرة المواطنين على تدبير احتياجاتهم الأساسية دون معاناة مستمرة. والدول التي تحسن قراءة تجاربها لا تنتظر حتى تتحول الأزمات الاقتصادية إلى أزمات سياسية مفتوحة، بل تتعامل معها باعتبارها جزءاً أصيلاً من الأمن القومي نفسه.
*ولعل أهم ما تكشفه الخبرة السودانية المتراكمة أن صانع القرار لا ينبغي أن يغفل حقيقة أساسية؛ فالدول لا تفقد توازنها دائماً في ميادين الحرب، ولا تبدأ لحظة اهتزازها الكبرى بالضرورة من الصراع السياسي أو التهديدات الأمنية المباشرة.. فكثيراً ما تبدأ لحظة التآكل الحقيقية من السوق، ومن اضطراب الخدمات، ومن عجز المواطنين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، ومن ذلك الشعور الجمعي المتنامي بأن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها. وفي السودان تحديداً، لم تكن الأزمات المعيشية مجرد نتيجة لمشكلات الحكم، بل كانت في كثير من التجارب العامل الذي عجزت الحكومات عن تجاوزه، مهما امتلكت من أدوات السلطة أو القوة.