
الحروب وحدود الانتصار…قراءة في دلالات التسوية الأمريكية الإيرانية
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة الحروب هو الاعتقاد أن موازين القوة العسكرية تكفي وحدها لفهم نتائجها.. فالتاريخ مليء بدول امتلكت التفوق الكامل في الميدان، لكنها اكتشفت لاحقًا أن القوة التي أنفقتها كانت أكبر كثيرًا من المكاسب التي عادت إليها عند نهاية الصراع. وفي المقابل، نجحت دول أخرى في تحويل قدرتها على الصمود وتحمل الكلفة إلى أوراق تفاوضية مكّنتها من الخروج بنتائج سياسية تجاوزت كثيرًا ما توقعه خصومها.
*ومن هذه الزاوية تكتسب الأنباء المتداولة مؤخرًا حول توصل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى اتفاق شامل، وتوقيع مذكرة تفاهم تنهي المواجهة العسكرية القائمة بين الطرفين، أهمية استثنائية تستحق قراءة متأنية تتجاوز ظاهر الحدث إلى ما يكشفه من تحولات أعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي.
*وما يجري يتجاوز حدود اتفاق سياسي عابر لوقف التصعيد، لأنه يعكس إعادة صياغة أوسع لقواعد الاشتباك بين القوة العسكرية والمفاوضات السياسية، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول معنى الانتصار والهزيمة وحدود القدرة على تحويل الخسائر العسكرية إلى مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.
*تكشف بنود الاتفاق المتداول أن جوهر التسوية يتجاوز كثيرًا فكرة وقف إطلاق النار التقليدي.. فالولايات المتحدة تتعهد بإنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران تدريجيًا، ورفع القيود على تصدير النفط الإيراني، وإتاحة الوصول الفوري إلى أكثر من مئة مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، فضلًا عن إنشاء صندوق استثماري ضخم بقيمة ثلاثمائة مليار دولار مخصص لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني وتنميته، بمساهمة شركاء إقليميين.
*وفي المقابل، تعيد طهران التأكيد على عدم سعيها لامتلاك السلاح النووي، وتقبل آليات رقابة دولية على برنامجها النووي، إلى جانب الدخول في مفاوضات نهائية تنتهي باتفاق ملزم يصدر لاحقًا بقرار من مجلس الأمن الدولي.
*والأهم من ذلك أن قراءة هذه البنود تكشف أن الاتفاق، في جوهره، لا يبتعد كثيرًا عن الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة الرئيس باراك أوباما عام 2015م، بل إن بعض البنود المتداولة تشير إلى أن طهران حصلت هذه المرة على مكاسب إضافية لم تكن متاحة في الاتفاق السابق، خاصة فيما يتعلق بالأموال المجمدة، ورفع القيود الاقتصادية، وحجم الاستثمارات الموعودة.
*وتكشف تجارب الصراعات الكبرى أن امتلاك أدوات القوة لا يعني تلقائيًا امتلاك القدرة على توظيفها بكفاءة سياسية تحقق الأهداف التي خيضت الحرب من أجلها.. فبين القدرة على خوض الحرب، والقدرة على إدارة نتائجها، مسافة واسعة كثيرًا ما تحدد مصير الدول.. إذ تستطيع الجيوش أن تحقق تفوقًا ميدانيًا واضحًا، لكن الإخفاق السياسي في إدارة لحظة ما بعد القوة قد يحول الإنجاز العسكري نفسه إلى نتيجة أقل بكثير من الأهداف الأصلية التي قامت الحرب من أجلها.
*لقد تكبدت إيران بلا شك خسائر كبيرة خلال المواجهة الأخيرة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الأمني، غير أن قدرتها على الصمود حتى الوصول إلى طاولة التفاوض مكّنتها من تحويل جزء معتبر من كلفة الحرب إلى مكاسب سياسية واقتصادية مباشرة. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة وقد استخدمت قوتها العسكرية الهائلة دون أن تنجح في فرض تسوية تعكس بصورة كاملة حجم تفوقها العسكري أو تحقق بصورة نهائية الأهداف القصوى التي دخلت الحرب من أجلها.
*اللافت في الاتفاق أيضًا هو البند المتعلق بمضيق هرمز، حيث تمنح التسوية طهران دورًا مباشرًا في إدارة المرور البحري والخدمات اللوجستية المستقبلية، مع اعتراف ضمني بحقها السيادي في ترتيبات المضيق..
وهنا تتجاوز القضية حدود العلاقة الأمريكية الإيرانية لتلامس واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية: أمن الطاقة العالمي ومسارات التجارة البحرية الدولية.
*فمضيق هرمز يمثل الشريان الحيوي الأول لتدفقات النفط العالمية، وأي تغيير في معادلات السيطرة أو الإدارة داخله ينعكس تلقائيًا على كامل المنظومة البحرية الممتدة من الخليج العربي حتى بحر العرب ثم باب المندب والبحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس.
*وهذا يعني أن البحر الأحمر – الذي يمثل الامتداد الطبيعي لهذه السلسلة البحرية – سيدخل بدوره مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الاستراتيجية.. فكل تحسن في العلاقة الأمريكية الإيرانية سيؤدي غالبًا إلى تخفيف مستويات التوتر في الممرات البحرية المرتبطة بالمواجهة الإقليمية، لكن في المقابل فإن منح طهران دورًا أوسع في معادلات هرمز يعيد طرح سؤال النفوذ الإيراني غير المباشر في الفضاء البحري الممتد نحو باب المندب والقرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط مباشرة بالأمن القومي السوداني وبالمعادلات الأمنية الحساسة المرتبطة بالساحل الغربي للبحر الأحمر.
*ومن هنا يصبح الحدث أبعد كثيرًا من مجرد اتفاق ثنائي؛ إنه إعادة رسم تدريجية لخريطة النفوذ البحري في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.. وربما تكمن إحدى أهم دلالات هذا المشهد في أنه يفتح الباب أمام مقارنة أوسع مع الطريقة التي تُدار بها أزمات وصراعات أخرى، وعلى رأسها الحالة السودانية. فالتجارب الكبرى تكشف بوضوح أن الصراعات الممتدة لا تقاس فقط بقدرة الدول على الصمود، بل بمدى وضوح التصور السياسي الذي يحكم شكل النهاية المراد الوصول إليها. إذ لا تكتسب القوة العسكرية معناها الحقيقي إلا عندما تكون جزءًا من تصور سياسي قادر على تحويل نتائج الميدان إلى واقع جديد أكثر استقرارًا. فالحروب التي تُخاض دون تصور واضح لشكل النهاية تتحول تدريجيًا إلى مسارات استنزاف طويلة، مهما بلغت التضحيات أو حجم القدرة على الصمود.
*إن واحدة من أخطر مشكلات السودان خلال أزمته الراهنة تتمثل في أن المعركة ظلت تُدار في كثير من الأحيان باعتبارها مواجهة عسكرية قائمة بذاتها، بينما تأخر التفكير الجاد في صياغة مشروع سياسي واستراتيجي متكامل يحدد بدقة شكل الدولة المطلوبة، وأهداف الحرب النهائية، وكيفية تحويل التضحيات العسكرية الهائلة إلى نتائج سياسية تحفظ الدولة وتمنع إعادة إنتاج الأزمة في المستقبل.
*وتعيد هذه التسوية التذكير بحقيقة أساسية في عالم الصراعات الكبرى.. أن معيار النجاح لم يعد مرتبطًا بقدرة الدول على خوض الحروب بقدر ارتباطه بقدرتها على إدارة ما تفضي إليه تلك الحروب من نتائج وتحولات.. فالتاريخ لا يحتفظ طويلًا بتفاصيل اللحظة التي تبدأ فيها المعارك، لكنه يتذكر دائمًا الأطراف التي امتلكت القدرة على صياغة نهاياتها.. وكثيرًا ما تصل الدول، بعد سنوات من الصراع، إلى أكثر الاكتشافات إيلامًا؛ أن كل ما أُنفق من موارد وأثمان لم يكن يقود في النهاية إلى المستقبل الذي ظنت يومًا أنها تقاتل من أجله.