آخر الأخبار

صراع المصالح يضرب نقابة الصحفيين.. خروج عن (تقدم) أم خروج عن النص

حسن فاروق
إنتشر الهمس سرا ثم أصبح علنا وسط الصحفيين بوجود مذكرة من عدد من الصحفيين تطالب ما يسمى بنقابة الصحفيين بالخروج عن تحالف (تقدم) وتدعو في ذات الوقت إلى عدم انخراط الجميع في العمل السياسي، الأمر الذي ربما يشي بصحوة نقابية متأخرة لهذا التمثيل المزور للصحفيين دون مشاورتهم، لكن مهلا الوضع ليس كذلك بالضبط.
إن مجموعة الصحفيين التي بادرت بالدعوة لجمع التوقيعات والتي تدعي مناوئة مجموعة (تقدم) المسيطرة على النقابة منذ تأسيسها، بمذكرة دعت لخروج النقابة عن (تقدم) وتركها ربط العمل السياسي بالنقابي هي نفسها التي كان لها القدح المعلى في قيام النقابة المشوهة ودخولها (تقدم) تحت سمع وبصر الجميع ودون مشورة الصحفيين، فما الذي استجد وخصوصا أن الطرفين يمثلان القوى الليبرالية التي لا ترى في النقابة سوى استكمالا لزخم امتيازاتها، بل وانتهازيتها للضرورة المصيرية لوجود نقابة تمثل الصحفيين وتحميهم من ظلم الملاك واستغلالهم وعسف السلطات وانتهاكاتها.
لقد حرصت المجموعة الصغيرة التي بدأت مبادرة المذكرة على عدم تعميق الخلاف مع المجموعة الرئيسية ولم ولن تتخذ مزيدا من الإجراءات تجاه رفض النقيب بصورة مبطنة استلام المذكرة والتعامل معها كسبا للوقت من أجل ترتيب البيت الداخلي، وهنا لابد أن نتساءل ما هي تصورات هذه المجموعة في حال رفض مجلس النقابة لطلب الخروج عن (تقدم).
هذه المذكرة الاصلاحية تشي بعدم وجود اختلافات اساسية بين الطرفين وبالتالي لا تمثل الصحفيين المكتوين بنار الحرب والتشرد والفصل التعسفي.
إن الموقف المرتبط بوجود النقابة في (تقدم) والخروج عنها لا يجب أن يقف عند هذه الحدود (وعفا الله عما سلف)، فهو اختبار يتطلب تصحيح شامل في الموقف من النقابة بما في ذلك تأسيسها وطريقة عملها والمفاهيم التي تدار بها، وما آلت إليه الأمور حتى الآن، فهل تستطيع مجموعة المذكرة القيام بذلك؟.
مارست مجموعة المبادرة لخروج النقابة عن (تقدم) تدليسا آخرا يرتبط بمصالحها وهو هروبها من الصدح بالحقيقة وهي أن المخالفة التي قامت بها قيادة النقابة فيما يتعلق بالإنضمام ل(تقدم) هي خداعها للقاعدة الصحفية واختطاف رأيها وعدم طرح الأمر بصورة ديمقراطية على القواعد، الأمر الذي يمكن أن يؤدي لمعاقبتها وسحب الثقة عنها، وليست الأزمة في الانخراط في العمل السياسي من حيث هو، لكنهم لن يهدموا ما قاموا ببناءه على أسس باطلة حماية لمصالحهم وتوجهاتهم.
إن المجموعة التي اصدرت المذكرة وتدعو جموع الصحفيين للتوقيع عليها مجموعة مخاتلة لا تختلف عن قيادة النقابة ومجموعة (القحاتة) الذين اختطفوا هذه النقابة بليل.
تضامنت مجموعة من الصحفيين مع المذكرة رفضا بكل تأكيد لحالة الخداع والاختطاف التي حدثت لصوتهم من قبل مجموعة (تقدم) الرئيسية، ولكن ولأن القوى الليبرالية ليست على اتفاق شامل حول كيفية احتواء غضب قواعد الصحفيين بسبب أوضاعهم السيئة فرديا وجماعيا وكيفية حماية مصالحهم والدفاع عن امتيازاتهم في ظل الحرب المستعرة، فقد ظهرت تباينات ثانوية واسعة بين هذه القوى المتفقة في الجوهر وهو الإبتعاد عن قواعد الصحفيين ومشاكلهم وأجورهم وعلاقتهم بالملاك والمختلفين حول كيفية ادارة التناقضات.
لقد كانت المجموعة المعارضة حاليا أو بالأحرى المبادرين لإصدار مذكرة الخروج عن (تقدم) هم عتاة انصار النقابة وهي تقوم على أسس لا تمت للعمل النقابي بصلة وبصورة تدليسية واضحة من حيث البناء والتنظيم والدستور وخلافه وهم على رأس من حاكوا مؤامراتها بسبب طبيعتهم ومصالحهم.
أين كان هؤلاء من تلك الإجراءات الشائهة، ثم أين كانوا عندما رسخت (تقدم) سيطرتها على النقابة وأين هم من تغلغل منظمات المجتمع المدني وسيطرتها على النقابة عن طريق (الفند)، وتحويل النقابة لمنظمة مجتمع مدني صرفة تتلقى المساعدات وتوزعها بصورة غير عادلة لصالح المحاسيب والأصدقاء والشلليات، بل أين هي من كثير من الفساد الذي اداره عدد من قيادات النقابة وتأسيسهم لمنظمات تتربح من ريع ما يسمى بالتدريب وبناء القدرات … الخ.
لا تستطيع مجموعة المذكرة المرتعدة خوفا على مصالحها من جنرالات بورتسودان التي يقيمون فيها، والمشاركة في كل مؤامرات وأخطاء النقابة أن تتغلب على ذاتها وتتخذ موقفا واضحا من كل ما سبق.
يريد هؤلاء القفز من المركب الغارقة بعد أن اتضح الخداع داخل وخارج النقابة وعلى امتداد الوطن بسبب مواقف (تقدم) الممثلة للقوى النيوليبرالية والتي اختارت صفوف الدعم السريع والقوى الأجنبية.
يدعو هؤلاء لأن تقف النقابة على مسافة سياسية واحدة من جميع الكتل السياسية فما رأيهم في صف ثورة ديسمبر التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والسلام العادل والحرية الأصيلة. يريد هؤلاء أن يهدروا قيم وتراث النقابات السودانية التي وقفت مواقفا مشرفة من القضايا السياسية الوطنية الكبري في السودان منذ ما قبل الاستقلال.
إن دعوة فصل العمل النقابي عن السياسي دعوة رجعية بالكامل وتريد تدجين دور الصحفيين السودانيين الذين آمنوا بالثورة ووقفوا معاها كمؤسسات ثورية وأفراد وبذلك لا يؤكد اصحاب المذكرة سوى اختلافهم حول المصالح الشخصية مع قيادة النقابة المصطفة مع (تقدم) و(فند) المنظمات.
رغم كل ذلك نقول إن من بين الموقعين على المذكرة من قواعد الصحفيين الرافضين للخداع والغاضبين من تجاهل النقابة لمشاكلهم المباشرة المتعلقة بلفظ المؤسسات الصحفية لهم عقب الحرب والمشردين في المنافي والعالقين في مناطق الحرب المباشرة، أفرادا صادقين ويحق لهم ممارسة حقوقهم النقابية دون تردد أو وجل ومراجعة قرارات النقابة بل وسحب الثقة عن قيادتها لو اقتضي الأمر.
نحتاج جميعا لوقفة أكثر صدقا وجدية يتبعها العمل حول لماذا وكيف تم اختطاف نقابة الصحفيين لصالح هذه المجموعات الليبرالية والانتهازية في وقت واحد وما هو السبيل لهزيمة هذه المجموعات الانتهازية.
ونزيد رسالة أخرى في بريد القواعد الصحفية لقد اتسع الفتق على الرتق ولن تجدي الحلول الاصلاحية فلابد من تكوينات جديدة تنشأ من قواعد الصحفيين وتقود الصراع الاجتماعي الاقتصادي الحقيقي ضد الملاك واعوانهم وتجابه أوضاع الحرب بشجاعة وبتنظيمات مهنية شعبية وثورية.
تنظيم الصحفيين الاشتراكيين السودانيين