
الاقتصاد المصري السوداني… من شراكة السوق إلى معادلة الأمن القومي
عمرو خان
*يُنظر إلى العلاقات المصرية السودانية باعتبارها علاقة شراكة مصير وليست مجرد تعاون اقتصادي عابر.. فالجغرافيا تفرض التواصل، والتاريخ يرسخ الروابط، والمستقبل يحتم البحث عن معادلات تحقق مصلحة الشعبين في ظل متغيرات إقليمية ودولية سريعة.. ومع تزايد الأزمات الاقتصادية العالمية، أصبح خيار التكامل بين القاهرة والخرطوم ضرورة استراتيجية أكثر من كونه مجرد طموح أو حلم.
*الاقتصاد مدخل السياسة: التعاون الاقتصادي بين البلدين يمكن أن يتحول إلى صمام أمان سياسي، حيث أن بناء شبكات متداخلة من المصالح بين المستثمرين ورجال الأعمال في الجانبين يجعل استقرار العلاقات السياسية حتميًا. فكلما ارتفعت مستويات التبادل التجاري وزادت المشروعات المشتركة، تقلّصت فرص الخلافات أو النزاعات، لأن الخسائر ستكون مشتركة. وبالتالي يصبح الاقتصاد هو القاعدة التي تُبنى عليها السياسة الخارجية والداخلية على حد سواء.
*فرص هائلة في الزراعة والطاقة: يمتلك السودان ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة، بينما تمتلك مصر خبرات متقدمة في تقنيات الري والإنتاج الزراعي. هذا التلاقي يمكن أن يجعل من وادي النيل “سلة غذاء إقليمية” تلبي احتياجات الشعبين وتؤمن احتياطيات إستراتيجية من القمح والذرة واللحوم والزيوت. أما في مجال الطاقة، فإن ربط الشبكة الكهربائية المصرية بالسودان، والتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، سيخلق منصة قوية لتصدير الكهرباء إلى دول الجوار، ويحول التعاون إلى محور إقليمي للطاقة النظيفة.
*النقل والربط اللوجستي: من أبرز آفاق المستقبل مشروع الربط السككي بين مصر والسودان، بجانب تطوير النقل النهري عبر نهر النيل. هذه المشروعات ستفتح ممرًا تجاريًا ضخمًا يربط البحر المتوسط بعمق أفريقيا عبر الأراضي السودانية، وهو ما يعزز مكانة البلدين كمحور استراتيجي للتجارة الدولية. كما أن هذه الخطوط ستسهم في تنشيط السياحة، وتسهيل انتقال الأفراد والبضائع، وتقليل تكلفة النقل بشكل كبير.
*الأثر على الأمن القومي: أمن مصر والسودان لا ينفصل عن بعضه. فعلى سبيل المثال، التعاون في ضبط الحدود المشتركة ومحاربة التهريب والهجرة غير الشرعية يعتمد في جوهره على تنمية المجتمعات الحدودية وإيجاد فرص عمل للشباب. كذلك فإن الأمن المائي، المرتبط مباشرة بنهر النيل، يُعد تحديًا وجوديًا لا يمكن التعامل معه إلا بتنسيق كامل. لذا فإن الاستثمار في مشروعات البنية التحتية والزراعة والطاقة لا يحقق فقط مكاسب اقتصادية، بل يمثل (درع حماية) للأمن القومي للبلدين.
*التحديات القائمة: رغم هذه الفرص، يظل الطريق أمام التعاون محفوفًا ببعض التحديات. فهناك معوقات بيروقراطية وإجرائية تعرقل سرعة تنفيذ المشروعات، فضلًا عن الحاجة لتوفير تمويل ضخم وضمان بيئة استثمارية آمنة. كما أن تقلبات الوضع السياسي في السودان قد تُبطئ من وتيرة التعاون أحيانًا. ومع ذلك، فإن الإرادة السياسية لدى القيادتين في البلدين، والضغط الشعبي الراغب في التكامل، يشكلان قوة دفع قادرة على تجاوز هذه العقبات.
*نحو تكامل استراتيجي شامل: إذا ما نجح البلدان في تحويل الاتفاقيات إلى برامج عملية وخطط زمنية واضحة، فإنهما سيضعان حجر الأساس لشراكة استراتيجية تتجاوز حدود الاقتصاد، لتصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي والاستقرار الإقليمي. وستكون هذه الشراكة بمثابة نموذج إقليمي للتكامل العربي الأفريقي، قادر على مواجهة التحديات العالمية، وعلى خلق واقع جديد يجعل من وادي النيل منطقة جذب لا منطقة عبور للأزمات.
كاتب صحفي مصري