آخر الأخبار

حُمى الضنك … هيستيريا تجتاح ولاية الخرطوم (1-2)

  • من المسؤول عن إنتشار الباعوض الناقل للضنك والملاريا بالعاصمة؟
  • كيف ومن أين وصلت آلاف دربات البندول لأيدي مافيا الدواء لبيعها في السوق الأسود؟
  • كرري أكثر المحليات إصابة بالضنك مسجلة (7245) إصابة.. والخرطوم الأقل بعدد (809)
  • (25)ألف جنيه سعر درب البندول الواحد.. و(6) ألف لكورس الملاريا

تحقيق ــ التاج عثمان:
حمى الضنك تحولت لكابوس وهلع هيستيري بولاية الخرطوم بعد تفاقم وتزايد الإصابات بها حتى بلغت في آخر إحصائية لوزارة الصحة ولاية الخرطوم (2024) حالة و(4) وفيات حتى نهاية الإسبوع الماضي.. وكان آخر ضحاياها فتاة تدعى (ريان) من امدرمان، كانت تجهز لعرسها، فتكت بها حمى الضنك وفاضت روحها الطاهرة بينما شيلة عرسها موجودة بالمنزل.. والضحية الثانية موظفة بوزارة المالية تدعى (إشراقة)، توفى زوجها قبلها بشهور قليلة بإحدى قرى الجزيرة، فغادرت للقاهرة ومكثت بها حوالي شهرين ثم عادت لمنزلها بالفتيحاب بعد تحرير الخرطوم، وهناك إصطادتها حُمى الضنك دخلت على أثرها في غيبوبة ومكثت بمستسشفى النو حوالي إسبوعين، بعدها تم نقلها بإسعاف لمستشفى شندي لحوجتها للعناية المكثفة لكن لم يكن هناك سريرا خاليا حتى تفاقمت حالتها وفاضت روحها الطاهرة رغم عناية الأطباء بها.. وبالطبع هناك وفيات كثيرة تفوق الرقم (الرباعي) الذي صرحت به وزارة الصحة ولاية الخرطوم مؤخرا.. التحقيق التالي يكشف خبايا وباء حمى الضنك وأسباب ظهور البعوض الناقل له بولاية الخرطوم بهذه الكثافة.. وكيف فتح المرض شهية مافيا الدواء لإستغلال المرضى وبيعهم العلاج الأساسي المتمثل في خافضات الحرارة دربات البندول بأسعار فاحشة
لماذا سميت بالضنك؟:


سميت حمى الضنك بـ(الضنك) نسبة للألم الشديد الذي تسببه ما يجعل المريض يشعر بالضيق والإنزعاج والزهج.. وكلمة “ضنك” في اللغة العربية تعني “ضيق” او “إنزعاج”، ولذلك أطلق عليها حمى الضنك نظرا لشدة الألم والإنزعاج الذي تسببه للمصابين بها.. الحشرة المتهمة بتوزيعها على البشر نوع من أنواع البعوض يطلق عليها (الزاعجة المصرية).. أعراضها تتمثل عادة في: الحمى الشديدة، ألم وإنتفاخ في البطن، كثرة الغازات، الإسهال اوالإمساك.. وهو مرض فيروسي ينتقل من الإنسان المصاب للسليم بواسطة لدغة البعوضة المصابة، وليس البعوض الناقل للملاريا كما يعتقد البعض، وتعد من الأمراض الشائعة في المناطق المدارية والإستوائية وهي تعيش في المياه العذبة إلا أن اماكنها المفضلة داخل المنازل حيث تنطلق منذ صلاة الفجر لتنهش أجساد المواطنين المنهكة الهزيلة وتتغذى على دماءهم ناقله لهم فيروس الضنك ومن ثم تعود لمخابئها داخل منازل المواطنين.
وأول حالة لحمى الضنك بولاية الخرطوم ظهرت في (20) سبتمبر 2023 بمحلية كرري.. وآخر إحصائية صادرة عن تقرير الوضع الوبائي لحمى الضنك بمحليات ولاية الخرطوم السبع والتي إستندت على التقرير الوبائي منذ يناير 2025 وحتى نهاية الإسبوع الماضي، والذي تحصلت (أصداء سودانية) على نسخة منه، أظهر ان أكثر المحليات إصابة بالمرض هي محلية كرري بعدد (7245) إصابة، تليها محلية جبل أولياء بعدد (1702) إصابة، ثم محلية امدرمان (1676)، ومحلية شرق النيل (1241)، ومحلية بحري (1019)، تليها محلية الخرطوم (809) إصابة.
ولكن لماذا وكيف إنتشرت هذه الحشرة (الكابوس) بولاية الخرطوم بهذه الوتيرة السريعة والكبيرة؟ وما هي مجهودات الولاية لمكافحتها؟، مدير الإدارة العامة للطب العلاجي، مدير عام وزارة الصحة ولاية الخرطوم بالإنابة، د. (أحمد البشير فضل الله)، يجيب: من أسباب إنتشارها الحرب التي حالت دون العمل الوقائي، بجانب بؤر توالد نواقل الأمراض داخل المنازل المغلقة التي هجرها سكانها، وإنتشار العربات التي أتلفتها المليشيا والمنتشرة بالشوارع والميادين داخل أحياء الخرطوم، بجانب إطارات السيارات المبعثرة في الميادين والشوارع، والمياه المخزنة داخل البراميل بالمنازل بسبب قطوعات المياه، وغزارة الأمطار التي شهدتها الولاية هذا الخريف، وكثافة الحشائش، جميعها شكلت آلاف البؤر لتوالد البعوض الناقل لحمى الضنك والملاريا معا أيضا.. وفي سبيل المكافحة تم تنفيذ (980) عملية رش رزازي، ورش بالطائرات عبر (10) طلعات في المناطق التي يتعذر الدخول إليها، بجانب الرش الضبابي داخل المنازل في إطار مكافحة نواقل الأمراض والتي إنتظمت بولاية الخرطوم منذ سبتمبر الماضي.
دربات البندول:


إتصلت بعدد من المواطنين بالخرطوم وسألتهم عن مدى توفر دربات البندول والتي تعد العلاج الرئيسي لحمى الضنك، فأكد بعضهم انها غير متوفرة بالكميات المطلوبة وتنعدم تماما بالصيدليات الخاصة، وذلك عند تواصلنا معهم، وإستغل بعض التجار والسماسرة الذين يتاجرون في أرواح الناس مستغلين حالة الهلع والهيستيريا التي إجتاحت سكان الولاية بسبب إنتشار هذا الوباء، تخزين كميات كبيرة من دربات البندول وبيعها للمرضى بأسعار خرافية فاحشة، حيث وصل سعر عبوة البندول الواحدة مبلغ (25) ألف جنيه في السوق الأسود، والمريض الواحد يحتاج إلى (16 ــ 24) درب.. اما الملاريا فالحقنة الواحدة في السوق الأسود تباع بمبلغ (8) ألف جنيه، والحبوب الكورس الواحد ست حبات بمبلغ (6) ألف جنيه.. كما إنتهز بعض الدجالين والمشعوذين إنتشار المرض وأخذوا يروجون أنهم يعالجونه بوصفات وأدوية عشبية يدخل في تركيبتها (القرع) المخلوط بثمار التبلدي، والبعض إدعى ان (المريسة) علج ووقاية من حمى الضنك.. وما يقوم به تجار الموت والأزمات مستغلين حالة الهلع التي إجتاحت مواطني العاصمة، يثبته ضبط الخلية الأمنية بقطاع كرري امدرمان لشبكة إجرامية تنشط في بيع دربات البندول خارج الإطار الطبي الرسمي، كانوا يخفون عدد (8622) كرتونة تحتوي على أكثر من (86) ألف درب بندول كانوا يخفونها داخل ثلاجة لحفظ البطاطس.


المواطن (عبد المنعم علي حسن فزع)، يسكن منطقة سوبا اللعوتة بالخرطوم، تحدث للصحيفة بقوله: من أسباب كثرة الإصابات بحمى الضنك والملاريا إنتشار البعوض الناقل لها وللملاريا، يحدث ذلك رغم الجهود المقدرة لأتيام وزارة الصحة بعمليات الرش بمختلف أنواعه، ورغم ذلك إلا أن البعوض لا يزال ينتشر بكميات كبيرة بمنطقتنا سوبا اللعوتة، لدرجة ان البعض أصبح يتشكك صراحة في جدوى المبيد المستخدم، ولا ننكر ان الحملات قلصت بعض الشئ من حجم إنتشار البعوض الناقل لكننا لاحظنا أنه سرعان ما يعود مرة أخرى.. ومن أسباب تفشي المرض ضعف المناعة لدى سكان العاصمة بسبب الحرب، فالتغذية الهزيلة المتوفرة لهم تعتمد غالبا على الفول والذي إرتفع سعره كثيرا، وغيره من المواد الغذائية الأخرى التي أصبحت أسعارها خارج نطاق جيوب سكان العاصمة المنهكين صحيا وماديا ونفسيا بسبب الحرب، حيث بلغ سعر رطل اللبن (1500) جنيه، وكيلو اللحم العجالي (24) ألف جنيه، والبيضة الواحدة وصل سعرها إلى ألف جنيه، وطبق البيض يباع بمبلغ (26) ألف جنيه، وكيلو السكر (3500) جنيه، وكيلو العدس (4000) جنيه، والقرعة الواحدة متوسطة الحجم (8000) جنيه، والقطعة الصغيرة منه تباع بمبلغ (2000 ــ 3000) جنيه، وكيلو البطاطس (5000) جنيه، وكيلو الموز الواحد وصل سعره إلى (3000) جنيه، علما ان هذه أسعار السوق المركزي الخرطوم والذي يعد الأرخص بالولاية.. بجانب شبه إنعدام للناموسيات ونتسائل هنا: أين هي الناموسيات الكثيرة والتي أشارت بعض الجهات بتوزيعها للمواطنين، حيث أن كل أسرة تمنح ناموسية واحدة او اثنتين مهما بلغ عدد أفراد الأسرة، واعتقد أن حملة توزيع الناموسيات بمفهوم مكافحة بعوض الملاريا وحمى الضنك فقدت هدفها في مكافحة نواقل الأمراض، ولذلك إنتشر البعوض الناقل للملاريا وفيروس حمى الضنك، بحيث لا يخلو أي منزل من شخصين او ثلاثة يعانون من حمى الضنك او الملاريا، فسكان العاصمة تحولوا لمجرد هياكل عظمية بسبب سوء التغذية وضعف المناعة اللازمة لمكافحة مثل هذه الأمراض لعدم مقدرتهم المالية على شراء المواد الغذائية المختلفة، فوقعوا لقمة سائغة لنواقل الأمراض.. يحدث ذلك في ظل إنعدام الكهرباء بسوبا اللعوتة وبعض الأحياء الأخرى رغم مجهودات إدارة الكهرباء وعملها الدؤوب في معالجتها وتوصيلها للمواطنين.. بينما المياه بسوبا اللعوتة تجلب بالكاروات بمبلغ (6000) جنيه للبرميلين، ويأتي بها باعة المياه من محطات المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية ومصادر أخرى مجهولة للمواطنين، لكنها لا تصلح للشرب إلا بعد غليها لكونها مجهولة المصدر وتباع داخل براميل صدئة.
نواصل