
في انتظار أن تنطق السماء
لمياء موسى
حين يشتعل الإخوةُ بسيفِ الكِرْهِ والدُّخانِ
وتُسكتُ الكلماتُ، وتَغيبُ مصلحةُ الإنسانِ
تتضخمُ الأنا، ونمدُّ اليدَ لغيرِ الأخِ بالأمانِ
لا نصرَ هناكَ، فقطُ هزيمةٌ تُعمّي الأوطانَ
*أدّت الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني إلى ما صنّفته الأمم المتحدة كأكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يُتوقّع أن يبلغ عدد النازحين نحو 14 مليون شخص بحلول نهاية عام 2025. كما خلّفت الحرب كارثة اقتصادية واجتماعية عميقة، تمثّلت في انهيار مؤسسات الدولة وتوقّف الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء ومياه، وانهيار العملة الوطنية وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، ما أغرق ملايين السودانيين في دوامة الفقر والجوع واليأس.
فيما أعلنت مؤخرًا قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار دام نحو خمسمئة يوم، حيث تُعد الفاشر آخر معاقل الجيش السوداني في إقليم دارفور غربي البلاد، ما يجعل سقوطها تطورًا مفصليًا في مجريات الصراع. فبهذه السيطرة أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على معظم دارفور وأجزاء من جنوب السودان، في وقت تتخذ فيه من الإقليم معقلًا رئيسيًا لها، أنشأت فيه حكومة موازية بحكم الأمر الواقع. ويثير هذا التطور مخاوف حقيقية من إعادة تقسيم السودان بعد انفصال الجنوب، وسط مخاوف من أن يدفع الزخم العسكري الجديد قوات الدعم السريع إلى محاولة التمدد نحو مناطق أخرى. وهكذا لم يعد سقوط الفاشر مجرد حدث عسكري، بل تحوّل إلى نقطة استراتيجية تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية وسياسية وأمنية بالغة الخطورة على مستقبل البلاد ووحدتها.
*خضعت مدينة الفاشر لحصار قاسٍ من الخنق العسكري والإنساني، في واحدة من أبشع المآسي التي شهدها السودان. فقد بدأت الحملة المروّعة على المدينة منذ مايو 2024، بهجمات متصاعدة شنّتها الميليشيات على الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، مع فرض حصار شامل وإغلاقٍ تامٍّ للطرق المؤدية إليها. ويعد الحصار جريمة مكتملة الأركان، إذ مُنع دخول الغذاء والدواء، واستُهدف المدنيون الذين حاولوا الفرار أو نقل الإمدادات، واستخدم التجويع كسلاح حرب ممنهج. كما أُغلقت منافذ المساعدات الإنسانية، فانهارت شبكات الإغاثة وانتشرت الأوبئة، وتعرّضت المرافق الصحية لهجمات متكررة أدّت إلى نزوح آلاف السكان. ومع إحكام السيطرة على الطرق الاستراتيجية وقطع خطوط الإمداد الحكومية، تضاءل عدد سكان المدينة تحت وطأة الجوع والمرض والخوف، فيما ظلّ العالم صامتًا طيلة خمسمئة يوم أمام جريمة إنسانية مروّعة تُرتكب بحق الفاشر وأهلها.
*لقد شكّلت هذه الجريمة هزيمة أخلاقية وسياسية للمجتمع الدولي الذي لم يتجاوز ردّ فعله المناشدات الباهتة.
*تعيش الفاشر اليوم حالة من الألم المتواصل بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة عليها، إذ اتهمت الحكومة السودانية هذه القوات بارتكاب فظائع واسعة ضد المدنيين أثناء استيلائها على المدينة، شملت الإعدامات الميدانية والخطف والتعذيب، وتصفية عاملين في الجمعيات الخيرية، وقتل الفرق الطبية في مستشفيات المدينة، واستهداف المتطوعين الذين كانوا يخدمون الأهالي، بل وصل الأمر إلى تصفية الجرحى وقتل مدنيين على أسس عرقية.
*وأكد وكيل وزارة الخارجية السودانية أن ما حدث في الفاشر هو نتيجة مباشرة لتراخي المجتمع الدولي الذي ظل يراقب الانتهاكات طيلة فترة الحصار دون أن يتخذ أي إجراء، مطالبًا باتخاذ تدابير عاجلة لردع قوات الدعم السريع وتصنيفها كمنظمة إرهابية، ومعاقبة الدول الداعمة لها.
*وفي المقابل، وصف متحدث باسم منظمة الصحة العالمية الوضع في الفاشر بأنه مروّع، مؤكدًا أن المستشفى الوحيد المتبقي في المدينة تعرّض لهجوم أودى بحياة عدد من أفراد طاقمه الطبي. وانتشرت في وسائل الإعلام مشاهد صادمة لإعدامات ميدانية جماعية وانتهاكات ضد المدنيين، وُصفت بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، في خرقٍ صارخ للقوانين الإنسانية الدولية وتصعيد دموي غير مسبوق.
*فيما أعلن وزير الصحة في إقليم دارفور أن آلاف المدنيين سقطوا في مدينة الفاشر، مؤكدًا استحالة تحديد أعداد الضحايا بدقة بسبب كثافة القصف وانهيار المرافق الطبية، لتخرج جميع المستشفيات عن الخدمة في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف.
*وأعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء التقارير التي تشير إلى عمليات قتل لمدنيين حاولوا الفرار، واحتجاز المئات على خلفيات قبلية، فيما يرقى إلى شكل من أشكال التطهير العرقي.
*من جهتها، نفت قوات الدعم السريع في بيان رسمي ارتكابها أي انتهاكات، مؤكدة حرصها على حماية المدنيين والتزامها بالقانون الدولي، غير أن هذا التصريح قوبل بسخرية واسعة.
*ما حدث في مدينة الفاشر منذ الحصار وحتى استيلاء القوات المتمرده عليها ليس مجرد صراع عسكري، بل فصل مأساوي من فصول انتهاك القانون الدولي الإنساني. هذه الجرائم ليست مجرد انتهاكات عابرة، بل هجمات منظمة ضد المدنيين، كما أكّد مكتب النائب العام لمحكمة الجنايات الدولية.
*في قلب هذه المأساة، تظهر مسؤولية الحكومة السودانية ليس فقط على المستوى الوطني، بل على الصعيد الدولي. المطلوب هو توثيق كل الانتهاكات بشهادات موثوقة، ثم رفع تقرير شامل إلى مجلس الأمن، يكشف حجم الكارثة الإنسانية ويحدد المسؤولين عن هذه الجرائم.
*الأهم من ذلك هو المطالبة بالإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية. فالتحقيق الدولي ليس ترفًا، بل ضرورة لضمان محاسبة المسؤولين، ولمنع الإفلات من العقاب. إنه أيضًا رسالة سياسية قوية: إن المجتمع الدولي لن يغض الطرف عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المنظمة التي تهدد المدنيين الأبرياء.
*إن إحالة قضية الفاشر إلى المحكمة ستكون خطوة حاسمة نحو العدالة، لكنها أيضًا فرصة لتأكيد أن القانون الدولي لا يفرّق بين صغير أو كبير، وأن الإنسانية نفسها لها حماية وحقوق لا يمكن انتهاكها دون حساب. الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة على خارطة النزاع، بل صرخة للعدالة تحتم على العالم أن يسمعها قبل فوات الأوان.
*أبناء السودان الشرفاء، داخل البلاد وخارجها، لقد حان الوقت، فقد نفدت فرص التراخي والانتظار. لم يعد الصمت خيارًا، ولم يعد ممكنًا أن ننتظر فرض الحل من الخارج.
*آن الأوان أن نرفع صوتنا عاليًا، وأن نتوحد على كلمة سواء: منظمات المجتمع المدني، والقوى المدنية الداخلية، وكل الشرفاء، فلنقف معًا لننهي هذه الحرب، ولنبحث عن الحلول التي تحمي وطننا وأبناءنا.
*التقاعس يعني الأسوأ: انهيار الدولة الموحدة، وفقدان مؤسساتها، وربما تقسيم السودان كما حدث في جنوبه.
*آن الأوان أن نتخذ المواقف، وأن نجد الحلول، وأن يتحد شرفاء هذه الأمة على كلمة واحدة، وعلى قلب واحد… لنصنع الحل من داخل السودان، وليس من خارجه.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن