
الشهيد اللواء دكتور أيوب عبد القادر محمد مصطفي قائد ثاني سلاح المدرعات
إتكاءة على ضوء القمر وذكرى إكتوبر وبعض الثمر
نورالدائم فضل الله محمد
*وعبق ذكراه السنوية في إكتوبر يفوح ويعطر كل المساحات عندي ويكاد يسد علي الأفق ، فهذه سياحة في محراب الشهيد اللواء دكتور أيوب عبد القادر والكتابة عن الشهادة والشهداء والسياحة في مسيرتهم ليست سهلة كما السياحة أو النزهة في حديقة المنزل لأن مسيرة الشهداء ثمنها السخاء بالروح العزيزة ومهرها دفق الدم الأحمر القاني ، والكتابة عن الشهيد اللواء أيوب ليست سهلة ، لكنني فقط أسطر هذه الشذرات وهذه الملامح الشحيحة عن سيرة وسكة عطاء طويلة للشهيد اللواء أيوب وفيها من المجاهدات والتضاريس الوعرة التي لا يمكن تتبعها بسهولة لكن هذه فقط (خربشة) على هامش السيرة والمسيرة.
السيرة والمسيرة:
*صرخة الميلاد في العام ١٩٦٩م من الوالدة المرحومة بتول محمد الحبيب بجزيرة بندي ، محلية حجر العسل جنوب شندي – ولاية نهر النيل . التعليم : مدرسة المسيكتاب جنوب الابتدائية ١٩٧٥م ، مدرسة ام ضوا بان الابتدائية، مدرسة كجينة الابتدائية، مدرسة ود بانقا المتوسطة ، ثم مدرسة شندي الثانوية الحكومية ١٩٨٩م ، ثم التخرج من الكلية الحربية السودانية في العام ١٩٩٢م ( الدفعة ٤٠ ) التوزيع القيادة العامة ثم المدرعات ، ثم لواء عاصفة الحزم الأول، الأكاديمية العسكرية العليا دورة القادة والاركان ، ممثل الحكومة السودانية في قوات الأمم المتحدة بين الشمال والجنوب، إجتياز جميع الدورات الحتمية، قائد الفرقة (١٧) مشاة سنجة، ثم دورة مدرعات وماجستير علوم عسكرية بكين – الصين في اكتوبر ٢٠٠١ ، ثم بكالوريوس القانون والماجستير من جامعة النيلين، والدكتوراة في القانون التجاري والشركات من جامعة الزعيم الأزهري، إجتيار إمتحان تنظيم مهنة القانون (المعادلة)، الحصول على رخصة مزاولة مهنة المحاماة أمام كافة المحاكم الجنائية والمدنية والشرعية، العمل في أعالي النيل، عداريل بور، دارفور ، فلج ، وكل متحركات عزة السودان، قائد ثان سلاح المدرعات، قائد لواء فزع وفك حصار المدرعات، متزوج وأب لأربعة بنات وولدين – ثلاثة مهندسين وقانونية وجامعي وختام المسك آخر العنقود (لجين) جالسة لامتحان الشهادة السودانية هذا العام ..ثم أخيرا إستشهاده في ١٥ إكتوبر ٢٠٢٣م
*الشهيد اللواء دكتور أيوب عبد القادر ما بين صرخة ميلاده ولحظة إستشهاده، هناك الكثير والمثير الذي يمكن إصطياده ، فهو كما البحر العاصف فيه اللؤلؤ والجواهر والمرجان، وفيه التماسيح وفرس البحر والحيتان، وحياته فيها الكثير من المواقف والمجاهدات التي تستحق أن تدون وتكتب فيها مجلدات وقد تصلح مسيرة حياته أن تكون فيلما وثائقيا للذات ، أو سفرا يزين صدر المكتبات، مكتبات تاريخ السودان الحديث بل قد تؤرخ لقوات الشعب المسلحة بصفة عامة وللشهيد أيوب بصفة خاصة.
*الشهيد اللواء أيوب هو الضابط الوحيد الذي دخل العاصمة في ذلك الوقت الصعب المتأزم بعد أشهر قلائل من قيام وإشتعال الحرب في معظم الولايات والشهيد يدخل الخرطوم عنوة وإقتدارا ، دخلها وهي (تغلي) خاصة أن المليشيا قامت بتطويق مدرعات الشجرة وحاصرتها من الجهات الأربعة وسلاح المدرعات من الأهداف المهمة والرئيسية للمليشيا لهذا حرصت على إسقاطها ومنذ اليوم الأول للحرب.
*الشهيد أيوب ومنذ تخرجه ملازما من الكلية الحربية في العام ١٩٩٢م تم توزيعه للمدرعات ولم يعمل في وحدة غيرها، وهذا سر الريد والحب السرمدي القديم الذي بينه وبين المدرعات وهوإبنها المطيع المدلل لهذا عندما إحمرت العيون في الخرطوم وحمي الوطيس ( والخشم صار دقيق ) ولا حبيب ولا رفيق ولا صديق، وتلونت سماء الخرطوم بالسحب السوداء وكادت منها تضيق ، ودخان قذائف المدافع الثقيلة يسد رحب الطريق، ولا تسمع الا قعقعة السلاح وهدير ماكينات الدبابات وأحكمت قوات المليشيا حصارها على المدرعات، وكاد أن ينتهك عرين الأسود لولا الثبات والدعوات، والمدرعات تترنح وتتأرجح ولقد أنهكها الجوع والعطش وقلة العتاد والزاد بسبب الحصار القاسي المضروب عليها، وكانت على وشك السقوط وأرجعت القيادة البصر كرتين وكرتين وحدقت في سماء الأفق البعيد ولم ينقلب إليها البصر خاسئا وهو حسير ، لكن وقع إختيارها على أكفأ وأشجع ضابط من ضباط قوات الشعب المسلحة وهو اللواء أيوب عبد القادر (إبن المدرعات) فزاع البكورك ومن كان غيره سيصلح لهذه المهمة الخطرة المحفوفة بالموت ، فكان لها تمساح الكرد الشايل فوق ضهرو الخبوب والطين ، ونفذ التوجيهات وتحرك بكامل قواته إلى عرين الأسود مدرعات الشجرة في رابعة النهار متخطيا في بسالة معدومة كل المتاريس وبهذا أربك خطط العدو وفعلا يصل المدرعات ظافرا وكما الأسد الهصور ينزل من مدرعته في قلب المدرعات التي لم يأتها متخفيا بالليل ، بل اتاها بالنهار، ومقتحما صندوق النيران الكثيف من القناصين على طول الطريق، وشعاره إما حياة تسر الصديق وإما موتا يغيظ العدو، والموت في شأن الإله حياة ، وهنا يجوز لإبنه محمد أن (يشنق طاقيته قليلا إلى أسفل ومعاها تكويعة وصرة وطلة ) ويجوز لإبنته البتول أن (تزغرد وتدي الشعر تلتين بدل تلة وتكشح شبال العز فوق أبوها أسد القبيلة ) نعم وبعد سيرة ومسيرة طويلة في المدرعات مسيرة قاصدة لله يسقط اللواء أيوب عبد القادر محمد مصطفي شهيدا دفاعا عن السودان وأهل السودان (وتجرتقت) أرض المدرعات بدم الشهيد حتى إرتوت، وكأني أسمع أرض المدرعات من تحته تقول إنني أولى بدم إبني الشهيد أيوب، وربما قالت أيضا أنظروا إليه فإن وجدتم إصابته من الخلف فهو ليس إبني، وإن كانت إصابته من الأمام وفي الجبهة فهو إبني، لأن إبني أيوب وكعهدي به وعلى طول مسيرته العسكرية كان يستقبل الردى والحتوف بوجهه ولا يستدبرها ، نعم لهذا كان الشهيد أول رتبة قيادية دستورية عليا تسقط في ساحة الوغى تسبح في دمها الطاهر وسط جنودها، ويا ود مكة: حتى في موت الكبار أيوب جاء الأول ، لا خان لا رجف لا إتحول ، الراكز جبل توتيل لا زح لا إتجول . ضرغاما شرس منو الزول إتهول.
*وكأني أرى حسناوات وحراير جدي المرحوم الواير محمد مصطفى عليه رحمة الله قد توشحن بالسواد حدادا على صعود روح الشهيد اللواء ايوب ، وزيدي النواح نواح يا الوايرابية أم ضفائر ، وزيدي الجراح جراح ، وقدام سوقي الرسن وأستفرغي المآقي من الدمع الغزير وأبكي على أيوب وعلى مثله تبكي البواكي ، ولا عزاء لنا فيه، إلا إننا نقول لدينا ألف أيوب غيره والرجل فينا كألف والرجل فيهم كألف.
*ولأول مرة أعرف بعد وفاته أنه كان يلقب بالشهيد الفريق الزبير محمد صالح وذلك لتواضعه ولبساطته وسهولته وعدم تكلفه في الحديث وفعلا شهيدنا أيوب كان كذلك ومن بساطته قد تسوقه سيدة من عامة الناس عندنا إلى مجمع الجوازات لاستخراج جنسية أو جواز ، او قد تستوقفه سيدة في البلد لتركب معه في سيارته للخرطوم ، وهو دوما هكذا سهلا ومتواضعا وكريما ، ويا ود مكة : زيد في حسراتك على البشاري الصعب قص دربو .. وزيد في لوعاتك علي جمل الشيل المافي راجل حقربو .. شايل بي مهل وما عاق رفيقو مكربو .. السم النقوع رافع رأسنا وما إنحني دنقربو.
*في العام ١٩٨٩ ( قبل زواجه) وبعد ظهور نتيجة إمتحانات الشهادة السودانية حضر الشهيد إلى توتي لزيارة عمه وخالي البروفيسور صديق محمد مصطفي مدير مستشفي الذرة للطب النووي بالخرطوم.
*وباركنا للشهيد نجاحه لكنه طلب مني المساعدة في كتابة خطاب باللغة الإنجليزية عن سؤال : لماذا إخترت الإنضمام للكلية الحربية لأنه هناك سؤال راتب من أسئلة إمتحانات الدخول للكلية الحربية في ذلك الزمان ولا أدري هل مازال هذا السؤال موجود أم لا السؤال عن لماذا إخترت الكلية الحربية ؟ والإجابة لازم تكون باللغة الإنجليزية، وقبل أن نتعاون معا على تحضير الإجابة تناقشنا كثيرا حول إلتحاقه بالكلية الحربية وأشرت عليه طالما شهادته تؤهله لدخول الجامعة ليس هناك داع لقصة الكلية الحربية والعسكرة دي فقال لي : أنا ما بقدر أنا أهلي محتاجين لي وانا محتاج لنفسي (والجامعة دي خليها هسه) ولم يتراجع ومنذ ذلك الزمان كان صلبا قويا في آرائه التي يؤمن بها وقد كان له ما أراد، ولاحقا بعد سنين عددا بحمد الله وبعزيمة مشتركة تخرجنا من الجامعة انا وهو مع بعض.. تخرجنا مع بناتنا وهو تخرج من قانون جامعة النيلين وأنا تخرجت من قانون جامعة ام درمان الإسلامية وواصل الشهيد مسيرته حتى النهاية وعوض كل ما فاته وبزيادة والحمد لله رب العالمين.
*وكما قال الأديب محمود درويش هناك بعض الكلمات خلقت لتقال مرة واحدة ولشخص واحد فقط ثم لا يكون لها معنى بعد ذلك إذا قيلت لأي شخص آخر، لهذا حديثي عن اللواء أيوب خلق ليقال مرة واحدة فقط ولشخص واحد وهو الشهيد اللواء
أيوب وبقول ليه : بعدك مسخت علينا الدبورة والكاكي .. سلام تعظيم ووقفتك غير الأسد شن بتحاكي .. شوفتك تفرح وما زالت العيون عليك تبكي وتباكي .. وفي رعاية الله ما إنت روحي وإنت وملاكي.
*والشهيد عليه رحمة الله كان رأسنا وفأسنا ، وكان فهمنا وكراسنا ، كان درقتنا ونحاسنا، وكان سيفنا وحماسنا ، كان بشبهنا وكان في مقاسنا.
*قبيل إستشهاده بقليل ذكرت له أن الحرب دي بعد تنتهي إن شاء الله لازم إنت تعمل (أرضا سلاح) وتمشي بيتك وأولادك محتاجين ليك والكل راض عنك وضريبتك تجاه الوطن أديتها شاركت في كل الحروب داخل وخارج السودان فقال لي ( والله لو نزلوني معاش الليلة اليوم دا ، وقامت حرابة أو جاء (كماج ) في البلد دي ، والله تلقاني أول زول ولا أحتاج لإذن من أي زول) ومن أقواله لعساكره : لو ما لقيتوني معاكم قدام في المعركة وفي الصف الأول ادوني طلقة في رأسي وإنتو المابلقاهو معاي قدام بديه طلقة في رأسه.
*وأنا في السفارة السودانية في أديس أبابا ، وفي إكتوبر من العام ٢٠٠٠م مر عن طريقي الشهيد النقيب أيوب عبد القادر (ووقتها كان نقيبا) في طريقه للصين لنيل درجة ماجستير العلوم العسكرية ودورة المدرعات، وعاد من الصين بعد عام أيضا في إكتوبر ٢٠٠١م وإلتقى أسرته عندي في أديس أبابا وقضوا معي هو وأسرته أجمل أيام العمر وفي ذلك منتهى الوفاء لأبنائه وبناته ولزوجته السيدة درية طه عبد الرازق والتي بلا شك تقاسمه كل هذا النجاح لأنها خلقت له البيئة الصحية للإبداع فأبدع.
*وفي الختام التحية والتقدير لوالد الشهيد الخال الحاج عبد القادر وأسرته والتحية والتقدير لعميد الأسرة وشيخ البلد حاج عبد الله محمد مصطفي والتحية والتقدير للأسر التي إنحدر منها هذا البطل المغوار والتي ساهمت في تكوين طينته وجيناته ، فأحيي أسرة المرحوم الحاج محمد مصطفي وأسرة المرحوم الحاج محمد الحبيب وأسرة المرحوم حاج الشيخ العوض وأسرة المرحوم حاج عبد الله محمد محمد نور (ود الزهراء بت الفكي) والتحية للدفعة (٤٠) الكلية الحربية والتحية لأسرة الشهيد الصغيرة ونهديها أعظم ما تحفظه ذاكرة دار جعل في الرثاء، وهو ما قالته بنونة بت المك نمر في رثاء شقيقها عمارة المك نمر عندما قالت : الخيل روقن فيهن عمارة عريس .. فرتاق حافلن فارس جني أم إدريس .. حي عليهو من بالو باعد إبليس .. يبكنك بنات حادات غزيرات ديس .. حزنانات عليك بالوجدة والتجريس .. الي أن قالت : الخيل روقن ما بقول عدادن كم .. فرتاق حافلن ملاي سروجن دم.
*ندعو ونترحم على روح الشهيد اللواء د. أيوب عبد القادر وشهداء منطقة جنوب حجر العسل وشهداء منطقة حجر العسل وشهداء ولاية نهر النيل ونترحم على جميع شهداء معركة الكرامة الذين كانوا فداء للسودان وأهل السودان وكانوا فخرنا وعزنا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخلهم جميعا جنات الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..
(إنا لله وإنا إليه راجعون).