آخر الأخبار

الفرجة في المتخيل المسرحي السوداني  (الفلكلور المسترجع)

 

د.شمس الدين يونس نجم الدين

1 _ 2

في هذه القراءة الموجزة، سأعمد الى ترسم سمات ظاهرة “الفرجة” في العرض المسرحي السوداني ووصلها بإشكالية التأصيل و استلهام التراث من جهة، و محاكاة الاحتفالية من جهة أخرى، كل ذلك في سياق البحث عن مسرح سوداني له خصوصياته التي تميزه عن غيره من المسارح .

برزت عدة تجارب تحاول تأصيل المسرح الى التراث الفرجوي السوداني و المتمثل في حلقات الذكر الصوفي أو في حلبات الصراع في جبال النوبة أو في طقوس الحصاد وغيرها من الممارسات الشعبية السودانية، وكلها محاولات تسعى بطريقة أو أخرى إلى الخروج عن النموذج الغربي للمسرح، أو كمحاولة لمقاومة وضعية الاغتراب الناتجة عن صناعة المسرح وفق النموذج الغربي، وكل ذلك ناتج عن أن الدواعي الى التأصيل هو الإقرار الصريح بأن المسرح فن وافد على الثقافة السودانية، وأننا بحاجة الى ممارسته نظرا لأهميته و خطورة دوره، هذا من جانب و من جانب آخر، ربما – حسب رأينا المتواضع – هو عدم الرضا بنوعية الممارسة السودانية لهذا الفن، مما خلق الاتجاه بخروج المسرح من العلبة الإيطالية، الأمر الذي أدى إلى نوع جديد من التمركز وإدعاء التجديد و ما يمكن أن اسميه بالمركزية السودانية ((Sudano-centrism))، وقاد الى أن جل مشاريع مسرح الفرجة تحاول أن تتمسك بأسطورة الأصل بإسم المسرح الاحتفالي أو الاحتفالية في تجلياتها السودانية المعتمدة على طقوس الذكر الصوفي، التي ما هي الإ شكل من أشكال التناسج الثقافي في الأداء -علي حسب راي إريكا فيشر-، وهنا يكمن التساؤل الأكاديمي المنطقي: هل هذه الأشكال الفرجوية بوصفها بناءات تقافية – سودانية – أم أنها وافدة بحسب نظرية تناسج الثقافات؟

إنها وحسب بروفيسور/علي عثمان محمد صالح أشكال تعبيرية تتقيد بإستمرار و تتحول وفقاً للتحولات الاجتماعية القابلة للتأقلم و المرونة والتقيد، مع العلم بأن هذه الأشكال الفرجوية التراثية التي بنيت عليها التجارب المسرحية الفرجوية لم تعطنا مسرحاً قائماً بذاته، بل أن الذي شكل الظاهرة المسرحية و ذاكرتها في السودان هو الفرق المسرحية الوافدة منذ بدايات القرن العشرين، و هذا ما دفعنا أن نتبنى تقاليد المسرح الغربي دون مساءلة اكراهاتها الفنية، ومن هنا فإن محاولات الخروج بالعرض المسرحي من خشبة المسرح (البروسنيوم) لا يعني استعادة تقليد فرجوي أصيل وخالص، لأن هذا الخروج لا يولد امكانية العودة الى حالة تأصيلية أو بعبارة أدق يحقق مسرح سوداني “لحماً و دماً” ؟ و الجواب في رأيي هو استحالة هذا الامر ؟! . اذ ليس ثمة سبيل الى العودة الى حالة أصيلة للمسرح في السودان.

بهذا تصبح تلك المشاريع – مجازاً – المسرحية الساعية الى الإمساك بإصول فرجوية للمسرح السوداني لم تستوعب مأذق إمكانية إبداع سلوك مسرحي قادر على التواصل مع الجمهور، فالمتتبع للتجارب المسرحية في السودان التي تصف نفسها بالإحتفالية تارة أو بالفرجة أو بمسرح الموقع Location theater تارة أخرى، يلاحظ حجم التشتت الفكري و الفني لتلك العروض و تعاليها مقابل نقيضها الذي يعرف بالمسرح الغربي الذي يحاول استنساخ التجربة الغربية للمسرح في نسختها العربية التي استقاها ممارسوها من المهرجانات المسرحية العربية و عمدوا الى اعادة انتاجها ((صورياً)) متناسين ان النموذج المسرحي الغربي ليس فضاءا مسرحيا/دراميا فحسب بل هو فضاء جمالي وايديولوجي، حسب رأي (باز كيرشو) فتبنى هذا النموذج المسرحي دون التفكير فيه نقدياً أوقع المسرحية في مأزق الاغتراب الفكري حتى في تناول القضايا السودانية، اذ سرعان ما تلاحظ المفارقة بين الصورة و الفكر المطروح من خلال العرض دون أدنى اعتبار الى حقيقة أن المسرح يتطور تاريخياً من خلال التبادلات الثقافية بين مختلف الشعوب، وخير دليل على هذا هو تأثير التقاليد الفرجوية الشرقية على المسرح الغربي عند (بروك) و (باربا) و غيرهم، و هذا يؤكد على أن المسرح هو فن الهجنة hybiridity إذ ليس هناك مسرح مكتف بذاته، فالمسرح بإعتباره وسيط ثقافي يستلزم تحويل شئ مكتوب على الورق الى دلالات مرئية / مسموعة تسمى الفرجة المسرحية، وما تجارب انتونان آرتو ، وبريشت ، باربا ، و جروتو فسكي و بيتر بروك إلا تجارب انبنت على مواقف تؤمن بالاختلاف بوصفه قيمة ثقافية، و انبنت على محاولة تجديد دماء النموذج المسرحي الغربي بالاعتماد على تقاليد فرجوية مغايرة، وهنا يحق لنا أن نسائل الآلية الإتصالية بين ( الملتقى و العرض) كما تساءل هؤلاء المسرحيون ؟! كل هذا يؤكد أن المسرح ظل في نشأة مستمرة حتى بالنسبة للبيئات التي نشأ فيها، فالمسألة ما هي الا رحلة بحث عن انجح السبل للتواصل مع الملتقي بالوجهة التي سار عليها (أوغستو بوال) عندما فكر في صيغة (( مسرح المقهورين)) و ابتدع نظام الجوكر المأخوذ من خصوصيات الثقافة البرازيلية، وهكذا خرج يصيغ مسرحية جديدة تتمثل في (قوس قزح المسرح)، (المنبر)، (التشريع)، و غيرها سعيا لتطوير آليات الاتصال الذاتي من خلال البحث الميداني المتواصل.

*مسارات الفرجة في المسرح السوداني* :-

ظهر في الآونة الاخيرة ، وليس هذا جديداً على الحركة المسرحية السودانية، مسار يدعي التطوير والتجديد و هو افق الفرجة في المسرح السوداني، ويتحدد على وجه الدقة في هيمنة الفرجة كخاصية للمسرح يجب اتباعها، فالمسرح السوداني يقع في مفترق الطرق، إذ ليس في مقدوره أن يوجد بكيفية مختلفة لأنه يماذج بين كليات و خطابات غير متجانسة، فظل يراوح بين التقليد / الحداثة و بين الأنا و الآخر (راجع د.فضل الله أحمد عبد الله، المسرح السوداني بين الأنا و الآخر )، إنه بإختصار شديد نتاج المزج غير الواعي بين التقليد المسرحي الغربي في نسخته العربية الوافدة و التقاليد الفرجوية المحلية، ويتكشف ذلك بصورة أكثر وضوحا في نقل تقنيات الفرجة الفلكلورية الشعبية الى البناية المسرحية، في اعتقاد بأن ذلك ثورة مستمرة للمسرح و يتم من خلالها قراءة النصوص المسرحية و معالجتها فرجويا.

نواصل..