آخر الأخبار

السودان عبقرية المكان والانسان (مرحبتين بلدنا حبابا..حباب النيل والغابة) 

*عبير الأمكنة

 

 *المخرج من واقع السودان المأزوم* (إعادة تشكيل عقل المواطن السوداني)

 *إذا تجاوزنا (ثقافة الكتاب الأسود) التي تمددت في كل أنحاء السودان (سنعبر وننتصر)

 *(السوداناوية) محاولة للإجابة علي سؤال الهوية والطريق الأقصر لنهاية (تمرد الجغرافيا)

 *لابد من احترام الآخر وإدارة التعدد والتنوع بعدالة

 *(عرب ممزوجة بي دم الزوج الحارة ديل أهلي) و(لو ما كنت من زي ديل وااااسفاي وآمأساتي وآذلي)

 *د. إبراهيم حسن ذو النون

 

هاهم الناس قد بدأوا العودة الطوعية من كل فجاج الأرض التي ذهبوا إليها، هاهي الناقلات السياحية تنقل المئات يوميا الى ديارهم.. صحيح أن الجيش قد أحدث تغييرات في خارطة السيطرة يمكن وصفها بالكبيرة.. الناس في بلدي يصنعون الحب والحياة يدركون أنهم أناس غير عاديين في جغرافيا غير عادية.. الناس يعشقون (ريحة التراب) و يتغنون مع صالح الجيلي الشيخ محمد أبوقرون المعروف والمشهور ب(صلاح بن البادية).. وبادية صلاح هذه هي البادية الوحيدة التي لم تعرف (عنف البادية) كما قال الراحل عبدالخالق محجوب السكرتير العام الأسبق للحزب الشيوعي السوداني..

غنا صلاح بن البادية رائعة الراحل مبارك المغربي (حب الأديم) والتي هي عبارة عن لوحة فنية ترصد حالة المساكن والتعايش قبل أن تلحقهم روح الجهويات والعصبيات، وقبل أن يعرفوا لغة(جلابة..غرابة.. عرب.. زرقة.. ابّالة.. بقارة.. غنامة)، وقبل أن تلحق بهم لهجة التفكيك ودولة 56 ومثلث حمدي ومنحنى النيل وأهل الأرض و(الحاكورة) وغير ذلك من مسميات جاءت بها لغة( الكتاب الأسود اختلال موازين السلطة والثروة) والتي تطورت ل(ثقافة الكتاب الأسود) والتي تمددت في كل الأنحاء والأرجاء..

قال الشاعر المجيد مبارك المغربي رحمه الله:

(ما عشقتك لي جمالك

إنت آيهة من الجمال

أو هويتك لي خصالك

إنت اسمى الناس خصال

أو لروحك لي جلالك

إنت هالة من الجلال

الفؤاد دائما بنادي

في اقترابي وفي ابتعادي

ليك لأنك من بلادي

** **

شلت من النيل صباهو

ومن جمال النيل بهاهو

من مناظر الثغر صفحة

ومن رهيد البردي لوحة

من نخيل الباوقة طرحة

ومن مريدي السمحة نفحة

الطبيعة حنت عليك

خلدت بصماتها فيك

وليك غرد كل شادي)

 

مشكلة السودان الأساسية ومنذ قرابة السبعين عاما نال استقلاله لكنه لم يحدد مشروعا وطنيا استراتيجيا يلتف حوله كل أهل السودان بمختلف فصائله السياسية والاجتماعية.. لم يتفقوا على شكل الدولة (كيف يحكم السودان) لكنهم تنازعوا حول (من يحكم السودان)، وأصبحت خلال هذه السنوات الطويلة البلاد تدور حول الحلقة المفرغة (انقلاب عسكري تتخلله محاولات انقلابية عليه لكنها تفشل ثم تعقبه انتفاضات وثورات _سمها كما شئت_ تعقبها فترات انتقالية تسرق خلالها الانتفاضة والثورات ثم تأتي ديمقراطية مشوهة تديرها _ أحزاب لاتدري ولاندري أنها لاتدري عن الديمقراطية شيئا_ثم انقلاب عسكري وتتخلل كل ذلك حروب ونزاعات شوهت صورة الإنسان السوداني)..

كثير من الدراسات العلمية وكثير من مشاهدات الإداريين الذين كتبوا عن السودان أكدوا أن هذا البلد به مكونات (عبقريات المكان والإنسان)، لأن تفاصيل المكان تقول (موقع جغرافي متميز، ثروات مهولة مخبؤة، وثروات ظاهرة معظمها لم يستغل الاستغلال الأمثل، 200 مليون فدان صالحة للزراعة وأخرى مثلها قابلة للاستصلاح، وأكثر من مائة مليون رأس من الماشية قابلة للزيادة لنصفها، كميات مهولة من المياه ، ثاني أطول نهر في العالم نهر النيل وروافده وفروعه، ومياه جوفية (حوض البقارة وحوض بارا الجوفي)، أودية موسمية (أزووم، كجا، قرع كفوت، الطيبة، ابو حبل ابوعنجة، كرنوي، أم لباسة.. وغيرها)، اما الإنسان بالسودان كل المجموعات السكانية في العالم (أصول زنجية، أصول عربية، أصول مختلطة، أكثر من 500 مجموعة سكانية تتخللها اثنيات)، وقد قدمت هذه المجموعات نماذج متميزة في التساكن والتعايش (نموذج عرب الحوازمة مع النوبة) انتج رواية أولاد نوبة، نموذج (عرب المسيرية مع دينكا نقوك)انتج النموذج (ابيي)، هذه النماذج لم تجد الإرادة السياسية التي تستوعبها لأنها كانت ستصبح أداة وحدة واندماج ولكن أصيبت قي مقتل وأصبحت شمس النزاعات والحروب لا تغيب.

ثمة نماذج لمشروعات كبيرة شكلها اقتصادي لكن لها بعدها الاجتماعي، مثل مشروع الجزيرة وامتداد المناقل، كان يمكن أن يطوّر مشروع الوحدة بين كل السودانيين، كان يمكن أن يطوّر عوامل الوحدة، لكن ما لحق بالمشروع من تصدعات وتحديات جعل إدارته إدارة للأزمة لتقديم معالجات آنية فقط (الموسم الصيفي.. الموسم الشتوي.. الإنتاجية .. السقف الإنتاجي.. واخلفت عمليات الصادر وتراجعت بشكل مخيف أثر على الاقتصاد الكلي للبلد.

مشروع آخر لو عادت له الحيوية يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل العقل السوداني ليصبح المواطن السوداني نافعا لبلده وليس مبخسا لأشيائها، المشروع هو السكة حديد التي قال عنها البروف عبدالله علي ابراهيم: (أنها قربت المسافات)، فسكك حديد السودان مشروع اقتصادي لنقل البضائع والصادرات والواردات والمواطنين من كل الأنحاء، (وسيلة نقل رخيصة وآمنة)

وفي نفس الوقت كان يمكن أن تؤدي دورا اجتماعيا بتقريب المسافات المعنوية بين المجموعات السكانية المختلفة لتصنع المشروع الوطني السوداني الذي يقوم على قبول الآخر وإدارة التعدد والتنوع بعدالة.

هناك مشروعات زراعية وصناعية يمكن أن تسهم في إعادة العقل السوداني ليكون منتجا محبا لبلده: (سكر كنانة، سكر عسلاية، سكر الجنيد، سكر حلفا، الرهد السوكي، مشاريع الزراعة الآلية بجبال النوبة، طوكر، ألبان بابنوسة..

هذه المشروعات وغيرها أساسها اقتصادي لكنها تسهم في اعادة بناء نسيج اجتماعي قوي قومي بعد سنوات الاحتراب والاقتتال والفرقة والشتات..

هذه المشروعات وغيرها يمكن أن تسهم في تأسيس المشروع النهضوي الوطني القائم على رؤية استراتيجية، يجيب على سؤال الهوية والتي في تقديري أن مخرجها هو (السوداناوية) التي أسس فكرتها البروف الراحل أحمد الطيب زين العابدين حيث لخصها في: (الهدف الأساسي من هذه الفكرة تأسيس مفاهيم سودانية ترسخ مفهوم التعايش بين مكونات المجتمع السوداني المتعددة المتنوعة ونبذ العنصرية والعمل على وحدة السودان)..

وهاهو الشاعر الراحل إسماعيل حسن أسس لنفس هذه المفاهيم ولكن بصيغة شعرية سار على ركبها الناس وكل الناس حيث قال:

(تصور كيف يكون الحال لو ماكنت سوداني وأهل الحارة ما أهلي.. بس تصور كيف يكون الحال).. الى أن يقول:

بلادي سهول بلادي حقول

بلادي الجنة للشافوها او للبرّة بيها سمع

بلاد ناسا تكرم الضيف

حتى الطير يجيها جعان ومن اطراف تكيها شبع

تشيل الناس وكل الناس وسع بي خيرو لينا يسع

وتدفق مياه النيل على الخيران

بياض الفضة في وهج الهجير بيشع

** **

بلادي بلاد من التاريخ

من تيرهاقا لا عن ميسنا

حتى إن جاي خيرو تروع

بلادي امان بلادي حنان وناسا حُنان

يكفكفوا دمعة المفجوع

يحبوا الدار

يموتو عشان حقوق الجار

يخوضو النار عشان فد دمعة

كيف الحال لو شافوها سايلة دموع

ديل اهلي ديل اهلي

يبّدو الغير على زاتم

يقسموا اللقمة بيناتم

يدو الزاد حتى إن كان مصيرم جوع

ديل اهلي البقيف في الدارة وسط الدارة واتنبر

يقول للدنيا كل الدنيا ديل اهلي

عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحارة

ديل قبيلتي لمن ادور افصل ديل فصلي

اصحاب روحي والاحساس وسافر في بحار شوقم زمان عقلي

اقول بعضي الاقيهم تسربو في مسارب الروح

يقو كلي

محل قبلت القاهم معاي معاي زي ضلي

وكان ما جيت من زي ديل واسفاي وا ماساتي وا زّلي

تصور كيف يكون الحال لو ماكنت سوداني

وأهل الحارة ما أهلي)

هاهم الناس قد بدأوا يعودون للديار لكن لابد أن يعود لهم العقل والرشاد لينام السودان (عبقرية المكان والانسان) بالاستقرار والتعايش.. فتشوا عن مشروع وطني نهضوي ستجدونه فى(مرحبتين بلدنا حبابا حباب النيل حباب الغابة)..