«جراح» يكشف تفاصيل مجزرة المستشفى السعودي بالفاشر
على سرير في إحدى غرف مستشفيات أم درمان، يجلس الطبيب عز الدين أحمد داؤد أسو، جراح أنهكته الحرب، لكنه ما زال يقاوم ذاكرة لا تهدأ. كل ليلة يعود إليه مشهد زميله الهادي حسن يتهاوى أرضا، والدم ينزف من عنقه، بينما يحاول إنقاذه بلا جدوى، وسط أزيز الرصاص وصراخ المرضى في المستشفى السعودي بمدينة الفاشر.
لم يكن أسو مجرد طبيب نجا من الحرب، بل تحول إلى شاهد حي على واحدة من أكثر الفصول دموية في إقليم دارفور، بعد أن رأى بعينيه كيف تحول المستشفى السعودي من ملاذ أخير للمدنيين إلى ساحة قتل جماعي، نجا من المجزرة ليحكي، لا لينسى.
يقول أسو، حسب الجزيرة نت، إن قصته بدأت مع حصار الفاشر قبل نحو 19 شهرا من سقوطها، حين كان ضمن 10 أطباء فقط يديرون مستشفى المدينة الجنوبي في ظروف وصفها بأنها “لا يمكن تخيلها”. وأضاف أنهم أجروا أكثر من 1200 عملية جراحية معقّدة، كثير منها تحت ضوء الهواتف المحمولة، في ظل نقص شبه كامل في التخدير والمستلزمات الطبية.
خط الدفاع الأخير
وسط القصف المستمر، كان الأطباء يسمعون القذائف وهي تضرب الجدران، لكنهم واصلوا العمل باعتبارهم “خط الدفاع الأخير” عن حياة المدنيين.
ومع اشتداد الحصار، لم يعد الأمر مجرد قطع طرق، بل تحوّل إلى “إعدام بطيء”، بعد منع الغذاء والدواء والمياه عن المدينة، واستهداف المستشفيات بالقصف المدفعي والطائرات المسيرة.
ويؤكد أسو أن تدمير مصادر الكهرباء، بما في ذلك المولدات والألواح الشمسية، أجبرهم على إجراء العمليات في ظلام شبه كامل، مستخدمين إضاءة الهواتف المحمولة، موضحا: “كنا نعلم أن كل يوم قد يكون الأخير، لكننا اخترنا مواجهة الموت يوميا لنمنح الآخرين فرصة للحياة”.
لم يكن الألم مقتصرا على الأطباء، فالمرضى أنفسهم كانوا يخضعون لعمليات جراحية معقدة دون تخدير كافٍ، في مشهد يصفه أسو بأنه من أقسى ما يمكن أن يمر به طبيب.
ومع تفاقم الأوضاع، اضطر الفريق الطبي إلى حفر ملاجئ تحت الأرض والاحتماء بالحاويات، بينما استمرت ساعات العمل دون طعام، حتى أصبح “الأمباز” -وهو مخلفات عصر الزيوت- غذاءهم الوحيد للبقاء.
في يوم سقوط الفاشر، حاول أسو وزملاؤه الفرار، لكنهم اصطدموا بحاجز لـقوات الدعم السريع. يروي الطبيب تلك اللحظة بصوت مُثقل: “أطلقوا النار علينا دون إنذار.. أُصيب الهادي حسن برصاصة في عنقه، ورأيت دمه أمامي، حاولت إسعافه، لكن لم يكن لدي حتى ضمادة واحدة”.
يقول إن زميله لفظ أنفاسه الأخيرة وهو ينظر إليه، طالبا النجدة، بينما كانت يداه عاجزتين تماما. لم تنتهِ المأساة عند ذلك الحد، إذ اعتُقل أسو مع أحد زملائه، وتعرّضا للتعذيب النفسي والجسدي، قبل الإفراج عنهما بعد أسبوع مقابل فدية دفعتها عائلتاهما.
رحلة عذاب
ويصف رحلة نجاته بأنها “رحلة عذاب”، مشيا على الأقدام وسط الجثث والعطش، وصولا إلى منطقة طويلة، ثم إلى تشاد، قبل أن ينتهي به المطاف في أم درمان، تاركا خلفه مدينة تحولت إلى أنقاض.
بعد أيام من سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، اقتحم مسلحون المستشفى السعودي، الذي كان آخر مرفق صحي يعمل في المدينة. ووفق منظمة الصحة العالمية، قتل أكثر من 460 مريضا ومرافقا، واختطف عدد من الكوادر الطبية، في هجوم وصفته تقارير حقوقية بأنه من الأكثر دموية.
شبكة أطباء السودان أكدت بدورها أن الهجوم لم يكن عشوائيا، بل استهدف كل من كان داخل المستشفى، من مرضى ومرافقين، بينهم أطفال ونساء وكبار سن. وقال أحد المسعفين الناجين إن المستشفى كان “الشعاع الأخير للأمل”، لكن اقتحامه جعل المدينة “تموت إكلينيكيا”.
ولا تتوقف الانتهاكات عند القتل، إذ تشير تقارير إلى احتجاز 22 طبيبا، بينهم 4 طبيبات، إضافة إلى أكثر من 2300 شخص في ظروف وُصفت بأنها “غير إنسانية”، بينهم مئات الأطفال والنساء.
كما وثقت إفادات تعرُّض المعتقلين للتعذيب والقتل على أسس إثنية، إلى جانب انتشار وباء الكوليرا داخل مراكز الاحتجاز، مما أدى إلى مئات الوفيات.
استهداف القطاع الصحي
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن نحو 37% من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة، في وقت يحتاج فيه نحو ثلثي السكان إلى مساعدات إنسانية عاجلة، مع تسجيل مئات الهجمات على القطاع الصحي منذ اندلاع الحرب.
ورغم نجاته، يقول أسو إن ما خسره لا يمكن تعويضه، فتكريمه لاحقا بسيارة تقديرا لصموده لا يمحو ذاكرة ما جرى. ويختم شهادته بالتشديد على أن استهداف المستشفيات والكوادر الطبية “ليس مجرد انتهاك”، بل “إبادة ممنهجة للخدمات الصحية”، مضيفا: “أصبحت جراحا بلا وطن، لأن مدينتي لم تعد سوى ذكرى مؤلمة”.
سقط المستشفى، وانطفأ آخر ما كان يمنح الفاشر أملا في الحياة، لكن شهادة الناجين لا تزال حية، تلاحق العالم بأسئلة مفتوحة يوجهها أسو وزملاؤه: إلى متى يستمر هذا النزيف؟ وكم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن تتحرك العدالة؟