الحزن يولد في المساء
جمال أحمدين سوبا / جيبوتي
رئيس تحرير جريدة القرن بجيبوتي
الألم في حياتها قدر لا يخطئ .. عرفت اليتم مبكرا .. بعد موت أبيها اضطرت أمها للزواج من رجل يدمن الشراسة .. لا يعرف سوي لغة الحجارة ..
كانت في الثامنة من عمرها عندما عرفت لماذا يولد الحزن في المساء .. إن الحزن أعمي .. ضرير.. لذلك يولد في الليل .. لا يفرق بين الصغار والكبار .. الأغنياء والفقراء .. الأبرياء والأشرار.
كانت تلعب لعبة العريس والعروس .. إنها لعبة الغريزة .. والميل إلي الجنس الآخر قبل النضج والاستدارة .. كانت مثل البنات في سنها تنتظر الرجل دون أن تعرف ماذا تريد منه بالضبط .. كانت ترقص وتغني لتطغي علي قلبها الصغير .. فرحة .. مكسوفة .. عندما وجدت شخصا يرفعها من فستانها وضفائرها.. – إنه زوج أمها- ثم يتركها تسقط علي الأرض .. ويسبها.. ويلعن الزواج ويومه الأسود ، وخلفة البنات التي تجلب العار.
لقد عرفت في تلك اللحظة كيف تتعذب أمها .. كيف يطلع عليها الصباح كل يوم فلا تتكلم ولا تبتسم .. إن صمت الأم ليس علامة رضي ، بل أمنية موت .. وأيام تمضي .. وقد خافت الأم أن تأخذها في حضنها .. إن الحنان يستفز ذلك الرجل ويزيد من قسوته .. ويضاعف من غضبه .. الحنان في هذا البيت مثل المخدرات .. بضاعة محرمة.
وهي لا تعرف سر قسوته هذه .. إنه غبار في حالة إعصار .. عاصفة في حالة غاضبة .. لا يهدأ.. لا يشرح .. لا يتفاهم .. هل السر في أنه لم ينجب .. لقد تزوج ثلاث مرات .. دون جدوى .. ظل يعاند قدره .. حتى تحول من رجل إلي جلاد.
علي أنها لم تكن تشغل نفسها بالتفسير أو التبرير .. كانت مشغولة بتجنب القسوة وتلافيها .. لقد تحكم منها الخوف وسيطر عليها .. تنجح في المدرسة حتى لا يضربها .. لا تخرج مع صديقاتها حتى لا يجرحها .. لا تهمس لأمها حتى لا ينفجر فيها.. لا تسمع الأغاني إلا خفية حتى لا يصفها بالسفالة .. لا تستطيع الاستغناء عن جمع الاغاني في تليفونها .. تهربها مثل الممنوعات .. وتضعها في الذاكرة الاضافية وتسمعها تحت الملاية .. إنها أسعد الناس بالسماعات قطعا اخترعوها من أجلها هي وحدها .. فهي تسمع في صمت .. تسمع وحدها .. وهو ما جعلها تتصور بأن المطرب يغني لها.. هي فقط .. فقلبها موعود بالعذاب .. لا يهدأ.. لا يرتاح .. وهي تتنفس تحت الماء .. لا تشعر بالحرية إلا في الحمام .. ويوم عيد ميلادها تشعر بالشقاء
إنها تخاف الحب .. ترتعش منه .. تنتفض.. تغرق في كلمة حب.. ( لا تعرف فن العوم ) .. فعلمت نفسها أن لا تشتاق .. وكيف تقص جذور الهوى من الأعماق .. وكيف تموت الدمعة في الأحداق .. كيف يموت القلب وتنتحر الأشواق.
لم تحب ابن الجيران .. ولا ابن خالتها ولا المدرس الصغير الوسيم .. الحب عندها ظل قضية انقلاب علي السلطة.
لقد كبرت .. لكن جرحها لا يزال في طفولته .. وقد تصورت أن الحزن يمكن أن يكون تاريخا .. لكنه ظل صديقا .. ظل بيتا تسكنه .. وطعاما تتناوله …
كانت طالبة في الجامعة .. متخصصة في إدارة الأعمال .. عندما رآها زوج أمها وهي تسير لدي عودتها من الجامعة مع شاب لا تربطها به أية علاقة سوي الزمالة الدراسية .. وما أن وصلت إلي البيت حتى وجدت نفسها تجر من شعرها .. من ذلك الجلاد القاسي .. ويقذف بها علي البلاط.
لكنها لم تنهر .. هذه المرة .. لم يغم عليها.. علي العكس .. وجدت في أعماقها طاقة تتفجر .. وبركانا يثور- إن المرأة عندما تيأس من التعب تولد من جديد .. وعندما تدرك أن العواطف التي تلمسها وتلسعها من أسمنت وخشب تصبح عنيدة – لقد تصدت للجلاد القاسي .. وانتهت تلك الليلة بهزيمة الوحش الكاسر .. وفي الصباح غادر زوج امها البيت بدون عودة .