
مرآة الأب
عبد الأمير المجر / العراق
رئيس تحرير جريدة الإتحاد الثقافي
بدا أبي سعيدا وهو يثبّت المرآة بمساعدة أمي على حائط غرفة الإستقبال، أو قرب باب الخروج، حيث بيتنا الصغير الذي يجمعنا بهما، أنا واختي الأكبر واخي الصغير الذي كان يملأ بيتنا مرحا وسرورا بدعاباته الجميلة … مرآة مستطيلة وطويلة نسبيا، وبإطار خشبي صقيل ومزخرف ..
*((حافظوا على هذه المرآة واهتموا بها .. لايقتصرنظركم اليها عند الخروج فقط، بل بعد عودتكم الى البيت، لكي تروا وجوهكم بعد ان ينال منها التعب وارهاقات الطرق وغيرها)) .. قال لنا أبي ذلك حين اكمل مع أمي تثبيت المرآة .. وكنا نقف امامها بزهو وفرح قبل ذهابنا الى المدرسة وعند العودة .. نتأمل وجوهنا النضرة وملابسنا التي تحرص أمنا على نظافتها دوما، ولم تنس تعطيرها بعد الغسل، حتى قالت لي المعلمة يوما؛ من أين لكم بهذا العطر!؟
مرّت سنون طويلة والمرآة على حالها في بيتنا نفسه وقد كبرنا، وبات أبي على أبواب الشيخوخة .. لم نخرج الاّ بعد أن نرى انفسنا فيها ولن ندخل غرفنا الاّ بعد أن نرى ما أخذه التعب من نضارة وجوهنا واناقة لباسنا..! لقد كنت انظر لأبي احيانا، بعد أن ترك خلفه الكثير من السنين، وهو يقف أمام المرآة ويتحدث الى نفسه بكلمات مبهمة وبصوت خفيض، ثم يبكي بصمت كي لانسمعه، لكن الدموع تفضحه، فنحني رؤوسنا حين يمر علينا عائدا الى غرفته الصغيرة، تشايعه نظرات امي التي تشاركه البكاء احيانا!
المرآة لم تعتق مع مرور الزمن، وظلت تعاند الأيام عند مدخل البيت في غرفة الإستقبال، وكإنها تفتخر بقامتها المديدة التي ظلت تغطي اجسامنا حين نقف قبالتها، وتعرضها علينا بأمانة .. لكن اصدقائي من ابناء الجيران كثيرا ما قالوا لي كلاما متناقضا عنها، أربكني حقا، حين كانوا يأتون الينا، وهم يقفون امامها، فمنهم من قال، إن مرآتكم مصوّرة بارعة أرى صورتي فيها جميلة جدا، فيما قال آخرون إن مرآتكم فيها مشكلة، فهي تجعل الوجوه مشوّهة!
لم يعد لي أب بعد رحيله، وأمي باتت بجسد متهالك على سريرها تجتر ذكريات الماضي وتستحضر اطياف أبي الذي غادرها ولن يعود .. أخواي تفرقت بهما سبل الحياة، وانا في بيتي مع اولادي الذين صارت طلباتهم تزداد مع تقدمهم في الدراسة، وراتبي الوظيفي لم يعد يسد حاجيات البيت الكثيرة التي اثقلت كاهلي .. كنت ارى وجهي ممتقعا من فرط الهمّ وانا اغادر البيت للعمل، حتى صرت اتحاشى النظر في المرآة احيانا، وحين أعود أسمع صوت أبي وهو يغني في غرفة أمي وحين ادخل اليها ينقطع الصوت الشجي، فيما أمي ممددة على سريرها وحدها مثل كيس عظام وانفاسها الهادئة تعيد صدى اغنية أبي التي اعشقها، فتنساح دموعي على خدّي وانا استحضر انفاسه .. كان يحب الغناء الشجي، الغناء الذي يستحضر حبيبا غائبا او حين يكون مثقلا بالعتب والمرارة .. كان يحب الغناء العراقي القديم ..!
أخذ اولادي يفرحون بما صرت اغدق عليهم به من اطعمة فاخرة وملبوسات حديثة بإستمرار، بعد أن أصبحت مسؤولا بقسم العقود في دائرتي، لكنهم قالوا لي إن المرآة عتقت كثيرا يابابا .. لقد صارت تشوّه وجوهنا حين ننظر اليها.. وكنت اقول إنها من إرث جدكم، ومن بين وصيته أن أبقى محافظا عليها .. لكن المرآة صارت تتمدد كل يوم، أو هكذا يخيل اليهم، وصاروا يخافون من النظر اليها ويخافون من البيت الصغير الذي نسكنه .. أمهم حدثني عن جنّ يسكن في المرآة ولابد من التخلص منها .. اشتريت بيتا كبيرا وحرصت على أن أجعل المرآة في ركن قصي من أركان الحديقة الكبيرة، لأبرّ بأبي ولكي لايراها الأولاد، لكن المرآة اخذت تتمدد ايضا في بيتنا الجديد وصرنا نرى انفسنا في كل زاوية من زواياه، كنت أرى زوجتي اشبه بكائن خرافي، وبات أولادي يخافون منها ومني.. في احدى الليالي وقد أخذ مني الأرق والقلق مأخذا، اتجهت للغرفة التي كانت فيها أمي قبل رحيلها، لا ادري لماذا قررت ذلك .. فتحت الباب، كان أبي وأمي يجلسان معا ويمرحان مع طفل صغير يشبهني تماما، يعبث بينهما، بديا شابين جميلين، كما كنت اراهما ايام طفولتي، فصرخت بعفوية .. أبي .. أبي .. لم يأتني رد .. ثم صرخت وبقوة .. أمي .. أمي .. التفتت لي أمي ولم تحدثني، وقد امسكت بالصغير الذي هو انا.. نهضت وصحبته ونهض معها أبي وخرجا من الغرفة من دون أن يكلماني .. خرجت وراءهما، وانا اصرخ .. أبي .. أمي .. وجدت نفسي في الحديقة، واتجهت الى المرآة .. نظرت وانا ابكي، فرأيت أبي وأمي بداخلها يثبتان صورة كبيرة لوحش مخيف على جدران بيتنا القديم .. صرخت من شدة الفزع، لكن أحدا لم يسمعني .. حين خرجت زوجتي ورائي ، وقد افتقدتني، كنت أنا أغني تلك الاغنية الشجية التي كنت اسمعها من أبي، فيما غادر أبي وأمي المرآة وتركا الوحش وحده يعكس صورتي فيها!
جريدة الإتحاد الثقافي جريدة تصدر عن الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق