آخر الأخبار

الفنان الذري و الفعل الواعي بالنجومية

تلاوين 

عبد اللطيف مجتبى 

عندما شاهدت مقطعا لفيلم من بدايات السينما المصرية (أبيض و أسود) و على ما أظن أنه كان عملا استعراضيا وقد شارك فيه إبراهيم عوض و كان أداؤه منطلقا مميزا. وكنت أرى أنه ينافس نفسه في هذا العمل رقصا و أداءا رائعا وهو يشدو بكلمات أغنية الفيلم التي كانت تقول (أظهر وبان عليك الأمان)، و كان إبراهيم عوض في هذا المشهد في قمة أناقته المعهودة، في هذه اللحظة فقط أدركت أنه كان يصنع من نفسه نجما كبيرا مؤثرا في حياة من حوله، وعلى ما أظن أن لحن هذا العمل استبدلت كلماته – فيما بعد – بكلمات أغنية أحب مكان وطني السودان.
من هذا المدخل يمكن القول بأن أحد أسرار تجربة إبراهيم عوض تكمن في وعيه بقوة التأثير لدي الفنان والكاريزما التي تؤثر في المجتمع، و الكل يتذكر تلك التسريحة التي راجت بين الشباب في مطلع السبعينات و ربما قبل ذلك و قد أطلق عليها المجتمع اسم تسريحة إبراهيم عوض، وهو في هذا المقام الذي وصل إليه يذكرني بالكثير من النجوم الذين طغى تأثيرهم على المجتمعات المحلية و العالمية على مر العصور، بدءا بالمغني العربي الشهير زرياب مرورا بالفيس برسلي و جون ترافولتا و بوب مارلي وغيرهم ممن شكلوا المزاج العام في عالم الموضة من أزياء و تصفيف الشعر وتأثيره في مظاهر المجتمعات بشكل عام.
لم يكن هذا التأثير الذي أحدثه إبراهيم عوض في الناس وليد الصدفة، بل هو ثمرة وعي بأثر الفن في الحياة و دور صورة الفنان و مظهره وسلوكه في توسيع دائرة التلقي و تمكين عملية المثاقفة و الحوار الروحي و الجمالي بينه وبين الجمهور، لذلك اعتقد أن إطلاق لقب الفنان الذري على هذا الفنان النجم الكبير وارتباطه بأكبر منجز إنساني أثَّر بدوره في لعبة الموازنات السياسية في العالم وهو صناعة القنبلة الذرية، إذ لم يكن هذا اللقب إلا اعترافا بالأثر الذي أحدثه كموهبة متكاملة حق لها أن تبرز في وقت كان فيه الكثير من أصحاب الخامات الصوتية و الأعمال الكبيرة و الريادة الفنية، و رغم كل ذلك حاز على لقب الفنان الذري و حقق هذا الاختراق الكبير الذي لم يكن إلا نتيجة وعي بالتجربة..
ومن أهم مؤشرات وعي إبراهيم عوض و أنشغاله بدوره كنجم ومقدم و عنوان لهذه الأعمال الرائعة أنه اهتم بتجويد أدائه و تطوير أدائه الصوتي و إيصال هذه الروائع لجمهوره، بدليل أن معظم هذه الأعمال المتفردة لم تكن من ألحانه ولا كلماته كما كان سائدا في ذلك الوقت منذ عهد كروما و سرور على الرغم من قدرته على ذلك، فجاءت تجربته مثل حديقة غناء حوت أشكالاً وألواناً من زهور و ورود التجارب و الأذواق التي زانت أرضها وأصبح بعضها ينافس بعضها كما قال ود الريح، وذلك من حيث الملحنين و الشعراء، وربما ساعد على نضوج هذا الوعي تلك الحاضنة التي نشأ فيها وهي حي العرب التي كانت مطبخا لإنتاج العديد من الأعمال الفنية والفنانين بفضل الأستاذ الكبير عبد الرحمن الريح الذي له القدح المعلى في تاريخ الأغنية السودانية بلا منازع.
وكذلك كثير من المحفزات التي كانت تدفع الفنان الذري دفعا نحو أن يكون متميزا عن أقرانه وهو الكم الهائل من جمال المنجزات الشعرية التي تفتقت عنها موهبة جميع الفنانين في ذلك الوقت و الجلسات الفنية و غير ذلك من روح المنافسة التي كانت سمة غالية في تلك الفترة التي كان يتخلق في السودان في ثوبه الحداثي الجديد و روح الحرية و الاستقلال والرغبة في التغيير التي كانت تسود الجميع في ذلك الوقت،
وكذلك تجربته السينمائية في بواكير مشروعه الفني التي مكنته من أن يلتقط ملامح وأفكار جعلته أكثر ثقة بذاته الفنية و الجمالية.
وأهم من ذلك كله أنه كان منعتقا نفسيا و جسورا و جريئا على ذلك النظام المحافظ المتمسك إلى حد كبير، و هذا لا يعني أنه كان سفيها على سبيل المثال لكنه أوجد معادلة جعلته مقبولا و ربما توسل إلى ذلك بالابتسامة الساحرة التي زينها بتلك السن الذهبية و تواصله الفعال مع جمهوره وتحياته لجمهوره لحظة صعوده المسرح في كامل أناقته ذلك الخاتم المميز وربطة العنق وبدلة ذات ألوان مميزة و حذائه شديد اللمعان بالإضافة أدائه الراقص و الإيقاعات الصاخبة التي تدخل جمهوره في حالة من الانجذاب الصوفي ليصبح المشهد العام معلما بارزا للنشوى فتلحق الأرواح عاليا فيصبح مكان الارجل الولهى طيور كما قال المجذوب. و عادة ما ينسحب من المسرح في تلك الأثناء تاركا ساحة الحفل تعج بالغارقين في بحور النغم عندما يحين موعد انتهاء الحفل.