آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (19) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ص)

صمت الكلام

فائزة إدريس

*من كان هذا اللاعب المجهول ؟

هل أظهرت الصدفة لنا موهبة عبقرية غير مكتشفة، أو أنه أستاذ مشهور يخفي هويته عنا لأسباب غير معروفة؟

تداولنا كل هذه الاحتمالات محمومين، حتى إننا مهما شططنا بخيالنا لم نجد فرضياتنا وافية بالقدر الذي يفسر الخجل الغامض لهذا الإنسان الغريب، واعترافه المفاجئ الذي يتنافى مع اقتداره في اللعبة. إلا أن المسألة التي اجتمعت الآراء حولها كانت أنه لا يجب تفويت فرصة مشاهدة معركة جديدة. واتفقنا أن نبذل كل ما بوسعنا حتى يلعب منقذنا دوراً ضد تشينتو فيتش في اليوم المقبل، والتزم ماكونر يتحمل أي مخاطر مالية، ولما تبين بعد استقصاء من المضيف أن المجهول نمساوي الجنسية أُسندت إليّ بصفتي ابن بلده مهمة تقديم رجائنا إليه.

*لم أجد عناءً كبيراً في إيجاد الهارب المتعجل على ممشى السفينة؛ فقد كان جالساً على أحد الكراسي وهو يقرأ. لكن قبل أن أتوجه إليه انتهزت الفرصة لأتأمله. رأسه المسترخي على المسند في إرهاق خفيف كان حاد الشكل.

 *مرة أخرى لاحظت شحوبه الغريب وشيب سوالفه البيضاء وهو رجل حديث العمر نسبياً. تشكل لديّ انطباع لا أعلم لماذا – أن الرجل هرم بشكل مفاجئ.

*اقتربت منه فنهض على الفور بتأدب وقدم إلىّ نفسه فتعرفت على لقبه في الحال؛ إذ إنه من الأسر النمساوية العريقة، وتذكرت كذلك أن أحد حاملي هذا اللقب كان من أقرب المقربين لعائلة الموسيقار شوبرت، وآخر من الأطباء الشخصيين للقيصر القديم. وعندما أفصحت للدكتور (ب) عن رجائنا أن يوافق على منازلة تشينتوفيتش فذهل تماماً. واتضح أنه لم يكن يعلم أن الخصم بطل عالمي، وأنه صمد أمام أنجح وأمجد لاعب في زمانه. لسبب ما، كان لهذا الخبر أثر عظيم عليه؛ لأنه عاد وكرر السؤال مراراً ليتأكد إذا كنت فعلاً واثقاً من أن الخصم بطل مشهور. انتبهت إلى أن هذه المعلومة تخدم غرضي وتسهل مهمتي، لكنني فضلت أن ألتزم الصمت – حرصاً على رهافة حسه – فيما يخص تكفل ماكونر للغرامة في حالة الخسارة. بعد تردد طويل، وافق الدكتور (ب) في النهاية، لكن مع تأكيد شديد أن أحذر السادة من وضع آمال عريضة في قدراته.

*وأضاف بابتسامة متأملاً: (أنا فعلاً لا أعرف إذا كنت سأستطيع أن ألعب دور شطرنج طبقاً للقواعد والأصول الصحيحة، صدقني، أنا لم أتظاهر بالتواضع، فمنذ أيام الدراسة في المرحلة الثانوية – أي منذ أكثر من عشرين عاما – لم أمس قطعة شطرنج. ولم أكن – حتى آنذاك – أكثر من لاعب متواضع الموهبة.

*من فرط بساطة حديثه لم يساورني أي شك في صدقه. إلا أنني لم أستطع أن أمنع نفسي من التعبير عن اندهاشي من مقدرته على تذكر تفاصيل كل خطط مختلف أساتذة الشطرنج. لا بد أنه على الأقل تعمق في نظريات الشطرنج.

*عاد الدكتور (ب) ليبتسم بطريقته الحالمة العجيبة.

*تعمقت، يعلم الله أنه يمكن القول إني تعمقت في دراسة الشطرنج، لكن في ظروف خاصة بل فريدة من نوعها ملابسات القصة معقدة، وقد تكون – على كل حال – شهادة بسيطة على الزمن الجميل الذي نعيش فيه.

*سأرويها لك لو وقتك سمح بنصف ساعة

أشار إلى مقعد بجواره وقبلت الدعوة مسروراً. لم يكن  من حولنا أحد خلع الدكتور (ب) نظارة القراءة ووضعها جانباً، وبدأ: (لقد تفضلت وذكرت أنك من قاطني مدينة فيينا، ومن ثم فاسم عائلتي مألوف لك. لكنني لا أظن أنك سمعت عن مكتب المحاماة الذي كنت أديره مع والدي ثم وحدي فيما بعد، ذلك أننا لم نسع – من حيث المبدأ – إلى الترافع في القضايا التي تتابعها الصحف وتكتب عنها، ولا إلى زيادة عدد الموكلين. في الحقيقة لم يكن لدينا مكتب محاماة  بالمعنى الحرفي، إنما تحول ليقتصر على الاستشارات القانونية، وبالأخص إدارة أملاك الأديرة الكبيرة التي كان والدي قريب الصلة بها بصفته نائباً سابقاً عن حزب ديني.

*واليوم، بعدما أصبحت الملكية من الماضي، يمكنني أن أفصح لك، أن صناديق عدد من أفراد الأسرة القيصرية كانت تحت إدارتنا. تأسست هذه العلاقة التي كانت تربط أسرتي بالبلاط ورجال الدين فقد كان أحد أعمامي الطبيب الشخصي للقيصر، وآخر يرأس ديراً في مدينة زايتنشتيتن -منذ جيلين سابقين، وما كان علينا إلا أن نحافظ عليها. كنا نؤدي العمل – الذي ورثناه من خلال الثقة الموضوعة فينا – في هدوء بل في صمت تام، فلم يكن حقيقة يتطلب أكثر من أقصى درجات السرية والأمانة، وهي من صميم أخلاق والدي المرحوم. فقد نجح بالفعل بفطنته أن يحافظ على مبالغ معتبرة من ثروات عملائه سواء في سنوات التضخم أو الانقلاب (يتبع).

نهاية المداد:

أمضوا بلا توقعات، لتعيشوا بلا خذلان

(تشي جيفارا)