
أنت .. قد تكون الضحية القادمة
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*كُنْتُ دائماً ما أقول لأهلي وأصدقائي والمقربين والزملاء ، أن يتوقعوا أي شيئ سيئ مثلما يتوقعون أي شيئ طيب ، لكن الفرق يكون في أن كل طيب وكريم نسعى له ، بينما كل سيئ هو الذي يسعى إلينا ، ويفاجئنا في غفلة عنه ؛ وأقول إن الإنسان من فرط غفلته يتوقع الموت لكل الناس ، لكنه لا يتوقعه لنفسه ، وهذه من غفلاتنا الكبرى.
*تقرأ وتسمع وتشاهد في أرض الواقع أو في الأفلام والمسلسلات، ونشرات الأخبار في الفضائيات التي أصبحت أكثر من الهم على القلب، كل يوم وقائع وأحداث خطيرة، وجرائم مروعة ، وحوادث سلب ونهب وخطف، ساعدت الهواتف الذكية في نشرها وتوزيعها على اوسع نطاق، لكنك لا تتوقع أن تقع أنت شخصياً ضحية لمثل هذه الجرائم ، لكنك قد تقع ضحية لها دون أن تتوقع ذلك، وهذا ما حدث صاحبكم ذات يوم جمعة قبل إندلاع هذه الحرب اللعينة ، قبيل السابعة صباحاً بقليل.
*بداية القصة كانت في شارع الشنقيطي عند تقاطع الشارع الرابط بين شارعي الشنقيطي وشارع النص، وهو الشارع الذي فيه جامعة علوم التقانة، ويقع شمال حديقة أم درمان الكبرى، وقد وجدت نفسي بعد رحلة البحث الصباحية عن الخبز بعد أداء صلاة الفجر، أخرج من جديد للبحث عن بنزين بعد أن أصبح عزيزاً ونادراً قبيل وبعد زيادة سعره، ولم يكن هناك وقود في محطة الخدمة القريبة من سكني، ودلّني شاب فاعل خير ، بأن أتوجه الى محطة النحلة القريبة من جامعة التقانة لأنها ستبدأ في عملها بعد قليل ، وقد كان.
*بالفعل توجهت إلى محطة النحلة، ولم يكن أمامي سوى عدد قليل من السيارات، فوقفت وراء آخر سيارة قبل أن تصطف ورائي عشرات السيارات، وقد تركت موتور السيارة دائراً على أن يبدأ عمل محطة الخدمة بعد قليل، ولاحظت إنه على الجانب الشرقي من الشارع وتحت إحدى اللافتات الإعلانية الضخمة وجود عدد من الأشخاص يجلسون حول إحدى بائعات الشاي ، كما لاحظت وجود عدد ممن نسميهم ب ( الشماسة ) قريباً من محطة الخدمة تلك ، يوحي تجمعهم ذاك بأنهم ممن يقومون بغسل السيارات، لكن الوقت كان مبكراً، فشككت في الأمر، وكنت وقتها أعمل على صياغة بعض الأخبار، وكتابة بعضها لإرسالها إلى بعض المواقع ، وهو ما أصبحنا نسميه ب ( العمل أونلاين ) ورغم أن الأمر مرهق بالنسبة لي ، لكن مساعدي الأكبر تمرّد علي ، ورفض التعامل معي ، وقد عرضته على أعظم وأكبر اختصاصيي وفنيي الآي فون والآيباد ، إلا أنهم ابلغوني بالنبأ الأليم ، وهو إن هذا الجهاز – يقصدون جهاز الآيباد الذي أستخدمه في عملي – لا رجاء ولا أمل في أن يعمل من جديد ، لذلك توكلت على الله وبعثت به إلى أحد أبنائي خارج السودان ، لإصلاحه عند وكيل الآيباد ، وهو ما جعل صاحبكم ينكبّ على العمل عن طريق الهاتف.
*خلال إنكبابي في العمل وتركيزي على الهاتف ، استيقظت لدي حاسة الحذر ممن زاد عددهم عن الثمانية ، ومع ذلك الإحساس تنبهت إلى أن أحدهم تقدم نحوي في السيارة وأدخل يده بسرعة لخطف الهاتف المحمول من يدي ، لكنني منتبهاً لذلك الفعل، فأمسكت هاتفي بكامل قبضة يدي، وفتحت باب السيارة بسرعة وقوة ليضرب السارق فيسقط أرضاً، وينهض خائفاً اتسعت عيناه من فعل غير متوقع ، فكان أن تحرك البقية، وجاء بعضهم نحوي من الباب الأمامي الآخر للسيارة لكنني كنت أسرع منهم بأن قمت بتأمين أبواب السيارة ورفع زجاج نافذتها الأمامية إلى المنتصف تقريباً ، وحركت السيارة إلى الخلف بسرعة ثم إلى الأمام ، وقلت لنفسي أنني أمتلك سلاحين الأول هو الحق لأنني أدافع عن نفسي ومالي ، والثاني هو السيارة نفسها ، فهي سلاح أقوى من يقابله مائة شخص، دع عنك مجموعة من ( النيقرز ) لا يزيد عددهم عن الثمانية ، وكانت تلك الحركة السريعة والمباغتة مفاجأة غير متوقعة للمعتدين الذين فروا هاربين إلى الناحية الأخرى من شارع الأسفلت من جهة الغرب ، لكنني لم اتركهم بل طاردتهم فكانت نجاتهم أن قفزوا فوق مجرىً مائي ( خور ) ما كان لي أن أقفز فوقه بسيارة.
*عدت بعد هذه المطاردة القصيرة إلى مكاني وسط دهشة المنتظرين ، وكان العاملون بالمحطة قد بدأوا عملهم ، وجاءني من أقصى الصفوف رجل يسعى ، تبيّنت أنه أخي وصديقي وجاري فخري حمد النصري ، الذي جاءني مهنئاً بالسلامة والنجاة ، وقال لي ضاحكاً : ” الجماعة ديل دراويش وللا شنو ؟ عايزين يسرقوا ليهم زول مفتح ؟.
*شكرته وشكرت كل زملاء الصف ، لكنني قلت لأخي فخري أنني لم أكن أفضل من غيري لكنني كنت منتبهاً لما يمكن أن يحدث ، لذلك لم يتمكن اللصوص من نهب هاتفي ، فجرائم التي نواجهها الآن تجيئ بالغفلة وعدم الإنتباه.