آخر الأخبار

السودان بين كوارث الطبيعة وويلات الحرب

عمرو خان

*في قلب دارفور، حيث تنتصب سلسلة جبل مُرّة شامخة كأحد أجمل وأغنى معالم السودان الطبيعية، وقعت الكارثة. هذه المنطقة التي لطالما تغنّى بها أهلها بوصفها (جنة دارفور)، تتحول اليوم إلى مسرح لمأساة إنسانية بعد أن تسببت الانهيارات الأرضية في تدمير قرى بأكملها وتشريد مئات الأسر.

*جبل مرّة ليس مجرد مرتفع جبلي، بل هو كتلة بركانية خامدة منذ آلاف السنين، تتناثر على سفوحه الوديان الخصبة والمزارع الصغيرة التي يعتمد عليها السكان في معيشتهم هناك، عند ارتفاعات تتجاوز أحياناً 3000 متر فوق سطح البحر، يعيش الناس في بيئة فريدة: مناخها معتدل في أغلب أوقات العام، وتنتشر فيها الينابيع والشلالات التي تجعلها نقطة جذب سياحي وزراعي على السواء. لكن هذه التضاريس الوعرة نفسها، حين تتعرض لهطول أمطار غزيرة وغير معتادة، تتحول إلى خطر داهم.

*في الأيام الماضية، انزلقت كتل صخرية ضخمة من المنحدرات، وجرفت معها منازل طينية وأكواخاً هشّة، لتدفن تحتها أحلام أُسر كاملة. من نجا خرج بجسده فقط، تاركا وراءه كل ما يملك. أن الطبيعة التي كانت مصدر رزقهم وحياتهم، صارت فجأة سبباً في فجيعتهم.

*وفي الوقت الذي كان ينبغي أن تُوجَّه كل الجهود لإنقاذ المنكوبين في جبل مُرّة، نجد أن الأزمة تتشابك مع معاناة أخرى في مدينة الفاشر، حيث الحرب ما تزال تعصف وتقطع شرايين الحياة. آلاف المدنيين هناك يفتقرون إلى الغذاء والدواء والمأوى، لتصبح دارفور اليوم بين فكي كماشة: كارثة طبيعية هنا، وصراع دموي هناك.

*إن هذه المشاهد الموجعة تجعل السودان يبدو وكأنه يعيش في سباق دائم مع المآسي، لكن ما يجب أن يلتفت إليه العالم هو أن هذه الأرض، بتاريخها الممتد من حضارات كوش ومروي إلى حاضرها المثقل بالجراح، ليست مجرد ساحة أخبار مأساوية, إنها وطن حيّ، فيه بشر يستحقون أن يُنقذوا وأن تُمد لهم أيادي الرحمة قبل أن تتسع رقعة الفقد.

*إننا أمام لحظة إنسانية فارقة، فالمساعدات ليست مجرد شحنات غذاء أو خيام إيواء، بل هي رسالة تضامن مع شعب لا يزال يقف رغم كل ما وقع عليه من أثقال. السودان بحاجة إلى صوت عالمي يسمع أنينه، وبحاجة إلى جهد دولي جاد يضع حياة المدنيين فوق الحسابات السياسية.

*جبل مرة سيبقى شاهداً على جمال السودان وخصوبته، لكنّه اليوم يذكّرنا أيضاً بهشاشة الحياة أمام قسوة الطبيعة. وبين الفاشر المنكوبة بالحرب وجبل مُرّة الجريح بالانهيار، لا يسعنا إلا أن نقف بصدق إلى جانب هذا الشعب العظيم، مواسين ومؤمنين أن عزيمته قادرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة.

*كاتب صحفي مصري