آخر الأخبار

كيف تُسترد حقوق العاملين حين تغيب المؤسسة وتُختطف الحقيقة؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد                                      

دكتور مزمل سليمان حمد

*لم تكن قضية حقوق العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يوماً مسألة فنية تتعلق بلائحة مفقودة أو توقيع متأخر، بل هي في جوهرها قضية تتعلق بطبيعة الدولة المؤسسية وحدود القانون حين يُعطّل، وبمصير العاملين حين تُدار المؤسسات بعقلية الطوارئ لا بمنطق التشريع. هذا الخلط بين الإجراءات والحقوق هو الذي أضاع البوصلة، فباتت الجهود تُبذل في الإتجاه الخطأ، بينما يظل جوهر الأزمة على حاله: غياب المؤسسة التي تُنتج الحق وتضمن استمراره.

*إن القراءة المتأنية لأمر تأسيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لسنة 2014م تكشف بوضوح أن الحديث عن فراغ قانوني ليس سوى وهم يتم تداوله تحت ضغط الواقع، لا استناداً إلى النصوص. فذلك الأمر لم ينشئ هيئة شكلية، بل أسس لكيان قانوني مكتمل الأركان، له شخصية اعتبارية مستقلة، وله ذمة مالية، وله صلاحيات إدارة موارده وتنظيم شؤونه، والأهم من ذلك أنه وضع الأساس الذي تُبنى عليه اللوائح المنظمة لحقوق العاملين. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في النص، بل في تعطيله، وفي تغييب الآليات التي تُفعّله، حتى أصبح النص قائماً بلا أثر، كقانون بلا دولة .

*وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن حقوق العاملين دون التوقف عند غياب مجلس الإدارة ضرباً من القفز فوق الواقع.. فمجلس الإدارة، وفق قانون الهيئات، ليس جسماً بروتوكولياً، بل هو العقل الحاكم للهيئة، وهو الجهة التي تملك وحدها سلطة إجازة اللوائح، واعتماد الهياكل، وتحديد البدلات، وضبط العلاقة بين الإدارة والمال العام.. وعندما يغيب هذا المجلس، لا تتعطل فقط اللوائح، بل تتعطل الشرعية نفسها، ويتحول المدير العام – مهما كانت كفاءته – إلى فاعل مقيد، يستجيب للضغوط أكثر مما يصنع القرار.

*ومن هنا يجب فهم ما صدر من قرارات عن الإدارة التنفيذية، فهي لم تكن – في حقيقتها – تأسيساً لحقوق مكتملة، بل كانت استجابة ظرفية لواقع ضاغط، ومحاولة لإدارة أزمة في غياب أدواتها القانونية. وهذا لا ينتقص من قيمة تلك الجهود، لكنه يضعها في إطارها الصحيح: إجراءات مؤقتة لا يمكن أن تتحول إلى حقوق مستقرة ما لم تسندها مؤسسة شرعية مكتملة .

*أما ما يُثار حول أن وزارة المالية غير ملزمة في ظل غياب لائحة مجازة، فهو قول يحتاج إلى قدر من الدقة. فالمالية لا تعمل في فراغ، وهي تعترف بالهيئة وتمولها بناءً على مرجعيتها القانونية القائمة منذ 2014، لكنها – بحكم طبيعتها – لا تُنشئ الحقوق، بل تلتزم بما يُعتمد لها من داخل المؤسسة عبر قنواتها الشرعية. ولذلك فإن غياب مجلس الإدارة لا يُضعف موقف العاملين أمام المالية فحسب، بل يقطع الطريق على أي سند قانوني يمكن الاحتكام إليه.

*وفي خضم هذا الارتباك، برزت أطروحات تُحمّل مجلس الوزراء أو جهات خارج بنية الهيئة مسؤولية إجازة لوائح العاملين، وهو طرح يعكس خلطاً واضحاً بين ما هو عام وما هو خاص. فالهيئات العامة، بحكم استقلالها النسبي، تُجيز لوائحها عبر مجالس إداراتها، لا عبر الأجهزة التنفيذية العليا، وما يُرفع لتلك الأجهزة إنما يكون في إطار السياسات الكلية لا التفاصيل الفنية. وبالتالي فإن تعليق حقوق العاملين على توقيعات خارج هذا الإطار، خاصة من جهات لم تعد قائمة، لا يمثل حلاً بقدر ما هو إعادة إنتاج للأزمة .

*الأخطر من ذلك هو الإتجاه نحو البحث عن حلول عبر لجان استثنائية، مثل لجنة إزالة التمكين، وهي – مهما قيل عنها – ليست جهة مختصة بتنظيم الخدمة أو إقرار الحقوق. وتجربتها في المؤسسات الإعلامية، بما صاحبها من قرارات فصل وتشريد واسعة، تكفي للدلالة على أن سلوك هذا الطريق لا يقود إلى استقرار وظيفي ولا إلى بناء مهني، بل إلى مزيد من الهشاشة والانقسام.. فالحقوق لا تُستجدى من لجان، بل تُبنى داخل مؤسسات، وتُحمى بقوانين، وتُصان باستمرارية الهياكل .

*وإذا أردنا أن نغادر دائرة الشكوى إلى أفق الحل، فإن الطريق واضح وإن كان يتطلب إرادة: يبدأ بإعادة الاعتبار لأمر التأسيس لسنة 2014، لا بوصفه نصاً جامداً، بل كقاعدة يمكن تطويرها إلى قانون أكثر إحكاماً، يستوعب التحولات ويحصّن الحقوق. ويتزامن ذلك مع الإسراع في تشكيل مجلس إدارة حقيقي، يمتلك الشرعية والقدرة على اتخاذ القرار، ليعيد الحياة إلى جسد الهيئة، ويضع حداً لحالة الفراغ التي استنزفت الجميع .

*ومن داخل هذا الإطار المؤسسي، تُجاز لوائح العاملين بصورة قانونية سليمة، تُحدد فيها الأجور والبدلات والمزايا على أسس واضحة، وتُربط بالموازنة العامة عبر قرارات معتمدة، فتغدو ملزمة لوزارة المالية لا من باب الضغط، بل من باب القانون. عندها فقط تتحول الحقوق من مطالبات إلى استحقاقات، ومن وعود إلى التزامات، ومن اجتهادات إلى نظام مستقر .

*إن التجربة السودانية في هيئات أخرى تثبت أن المشكلة ليست في ندرة الموارد ولا في تعقيد الإجراءات، بل في وجود أو غياب المؤسسة. حيثما وُجد مجلس إدارة فاعل، وُجدت اللوائح، واستقرت الحقوق، وانتظمت العلاقة مع المالية. وحيثما غاب، دخلت المؤسسات في دوامة لا تنتهي من اللجان والمبادرات المؤقتة .

*الخلاصة التي لا مفر منها أن حقوق العاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون لن تُستعاد عبر مسارات التفافية، ولا عبر اجتهادات حسنة النية لكنها خارج الإطار القانوني، بل عبر إعادة بناء المؤسسة نفسها. فالقضية ليست معركة مطلبية بقدر ما هي معركة وعي: وعي بأن القانون موجود لكنه معطّل، وأن الحل ليس في استبداله بل في تفعيله، وأن الطريق إلى الحقوق يمر عبر مجلس الإدارة لا عبر أبواب أخرى.

*هذه ليست وجهة نظر عابرة، بل شهادة تستند إلى قراءة قانونية وتجربة عملية، وتُكتب اليوم ليس فقط دفاعاً عن جيلٍ أنهكته الانتظارات، بل أيضاً وفاءً لأجيال قادمة يجب أن تجد مؤسسة قائمة لا أطلالاً، ونظاماً عادلاً لا فوضى، وحقوقاً مصانة لا مطالب مؤجلة.