
فتنة الشائعات تهدد وحدة الجيش والمشتركة والشعب السوداني
عمرو خان
*في خضم حرب الكرامة، لم يعد الصباح يحمل فقط أخبار الميدان، بل صار محمّلًا أيضًا بضجيج الروايات المتضاربة، التي تتنازع وعي الناس قبل أن تصل إلى عقولهم.. بين خبرٍ يبعث الأمل وآخر يثير القلق، تسللت مؤخرًا موجة من الشائعات، تحمل في طياتها رائحة الفتنة، وتنتشر بسرعة تتجاوز سرعة الأحداث نفسها، لتصل إلى ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها.
*هذه الشائعات ليست مجرد أخطاء عفوية في نقل المعلومات، بل تبدو في كثير من الأحيان جزءًا من ماكينة إعلامية مضادة، تدرك جيدًا أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة وعي وإدراك.. ففي زمن بات فيه الإعلام سلاحًا أكثر فتكًا من كثير من أدوات الحرب التقليدية، أصبحت الكلمة قادرة على هدم الثقة، وزرع الشك، وتفكيك الجبهة الداخلية دون إطلاق رصاصة واحدة.
*أحد أبرز تجليات هذه الفتنة تمثّل في الترويج لوجود تمرد جديد داخل صفوف القوات المشتركة المساندة للقوات المسلحة السودانية، مقابل الجيش.. روايات متداولة تحدثت عن انتشار قوات في محيط مدينة أم درمان، وجرى تفسير هذا الانتشار – عبر منصات إعلامية مضادة – على أنه تحرك تمردي، رغم أن التفسير الرسمي أو المنطقي يشير إلى كونه إجراءً أمنيًا يهدف إلى التأمين.
*لكن الخطير في هذه القصة لم يكن في مصدر الشائعة فقط، بل في كيفية تلقّيها وانتشارها. هنا برز ما يمكن تسميته بـ(شعب فيس بوك)، الذي لعب دورًا محوريًا في تضخيم هذه الروايات، وتحويلها من مجرد أخبار غير مؤكدة إلى قناعات شبه راسخة لدى قطاع واسع من المتابعين. اندفع كثيرون إلى انتقاد الوجود العسكري، واعتبروا أن تأمين المدن هو اختصاص أصيل لوزارة الداخلية، متسائلين عن مبررات تدخل القوات المشتركة في هذا الدور، بل وذهب البعض إلى أبعد من ذلك، عبر تبني سرديات تتحدث عن صراع داخلي محتمل.
*هذا التفاعل الجماعي يكشف أزمة أعمق من مجرد شائعة عابرة؛ إنه يعكس خللًا في آليات التحقق، واندفاعًا نحو التفسير قبل الفهم، وإصدار الأحكام قبل استكمال الصورة.. فالمعلومة في زمن الحرب لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا تُفهم دون إدراك لطبيعة العمليات العسكرية وتعقيداتها.
*السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل توقف السودانيون لحظة للتأكد من صحة ما يتلقونه؟ هل تم التمييز بين الخبر والتحليل، بين المعلومة والتأويل، بين المصدر الموثوق والمنصة المشبوهة؟ أم أن سرعة النشر باتت أهم من دقة المحتوى؟.
*المشكلة لا تكمن فقط في وجود إعلام مضاد، فهذا أمر متوقع في كل صراع، بل في قابلية المجتمع نفسه لاستقبال هذا النوع من الرسائل دون تمحيص.. فكل مشاركة غير مدروسة، وكل تعليق متسرع، قد يسهم – دون قصد – في تغذية الفتنة التي يسعى الآخرون إلى إشعالها.
*إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في أوقات الأزمات هو تآكل الثقة بين مكوناتها الأساسية، خاصة بين الجيش والقوات المساندة له، وبين هذه المؤسسات والشعب. هذه الثقة هي العمود الفقري لأي صمود وطني، وإذا ما تصدعت، فإن تداعيات ذلك تتجاوز بكثير حدود المعركة العسكرية.
*من هنا، يصبح الوعي الإعلامي ضرورة وطنية، وليس ترفًا فكريًا.. فالمطلوب اليوم ليس فقط متابعة الأخبار، بل تفكيكها، ومراجعة مصادرها، وقراءة ما بين سطورها. كما أن على المؤسسات الإعلامية الوطنية أن تضاعف جهودها في تقديم معلومات دقيقة وسريعة، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الشائعات.
*وفي المقابل، يتحمل المستخدم العادي مسؤولية لا تقل أهمية. فكل فرد يمتلك اليوم منصة، وصوتًا، وتأثيرًا، مهما بدا محدودًا.. وهذا يفرض عليه واجبًا أخلاقيًا في التعامل مع ما ينشره أو يشاركه. ليس كل ما يُكتب يُصدق، وليس كل ما يُتداول يستحق الانتشار.
في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة الوعي. فإما أن يكون المجتمع خط الدفاع الأول ضد الشائعات، أو يتحول – دون أن يدري – إلى أداة في يد من يسعون إلى تفكيكه. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير السردية الوطنية، بل وربما مصير الوطن نفسه.
*كاتب صحفي مصري