آخر الأخبار

حكاية ولد جنوبي إسمه مصطفى

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة                 

مصطفى ابوالعزائم

 

*والله لا أعرف كيف أبدأ هذا المقال ، والقلب مثقل بالهموم والأسى والإحباط نتيجة هذه الحرب اللعينة

لكن يوم الأمس كان مختلفاً، هاجت فيه المشاعر ولم تهدأ حتى لحظة كتابة هذا المقال، فقد تلقيت محادثة هاتفية عن طريق الماسنجر من جوبا، أي والله من جوبا التي كانت جزءاً من وطن كبير حدادي مدادي، يمتد من حلفا إلى نمولي، ولكن الأطماع أرادت له أن ينقسم.

*المحادثة ممن؟ من أخي وصديقي وزميلي الدكتور شول دينق وحرمه كريمة وحفيدة السلطان موسى المك كور، محادثة أدهشتني وفجرت ينابيع الذكريات الطيبة، وأخي شول يسألني عن الأسرة والأبناء، وبدوري اسأله عن أفراد أسرته وعن عمله في الجامعة، والسيدة الفضلى حرمه تقول بصوت تخنقه العبرات أنها حزينة لما يحدث في السودان، وكل ما تتمناه هو أن تعيش في الخرطوم مرة أخرى وفي الأحياء التي عرفتها.

*تذكرت ما كتبه الأخ العزيز الكاتب المتميز الأستاذ حسن الحميدي قبل أكثر من عقد ونصف تحت عنوان (حكاية ولد جنوبي اسمه مصطفى).. بحثت عن ذلك المقال فوجدته، ورأيت أن أعيد نشره، فقد أحيا في د اخلي ذلك الحب المقيم لكل جنوب السودان وأهله، وقد كان مقال الأستاذ حسن الحميدي كما يلي بذات العنوان الذي أشرنا إليه وقد جاء كما يلي:

*شرقت عيني بالدموع وأنا اطالع حكاية مؤثرة .. حكاية ولد جنوبي إسمه مصطفى أوردها الأخ مصطفى أبوالعزائم في عموده المقروء (بعد ومسافة) الأحد المنصرم تحدث مصطفي أولاً عن (بعد ومسافة) أي السبتين أبقى؟ سبت الشمال ودموع الإنفصال ، وسبت الجنوب وشموع الإستقلال ، وفي قاع العمود ترسب عكر الحزن الطويل في حكاية (ولد جنوبي إسمه مصطفى) ومصطفى هذا ياسادتي هو الإبن البكر لشاب جنوبي إسمه سبت مايكل،  يقيم مع آل أبوالعزائم منذ سنوات طوال، وهو يماثل أعمار أبناء مصطفى .. حينما أنجب سبت إبنه البكر ، أطلق عليه إسم مصطفى أبوالعزائم ، وأصبح اسم الولد كاملاً (مصطفى أبوالعزائم سبت مايكل) .. حينما جاء ميقات الشتات إختفت في عيني مصطفى وأبيه سبت ، عبقرية الزمان والمكان، وأصبح الزمان والمكان عادياً وغبياً وليس عبقرياً .. سؤال صارم وصادم صعق سبت عما يريد أن يفعل؟ .. أجاب سبت (انتو لو مادايرني بمشي) .. أسقط في يد مصطفى .. وقال لم أعرف كيف أرد عليه ولا أحسب أن احداً سيرد .. ترك مصطفى نهاية الحكاية تماثل مايعرف بالنهايات المفتوحة.. الحكاية في مجملها تمثل شريحة معملية لآلاف الحكايات التي تراجع فيها السمت الإنساني، وتقدم فيها السمت السياسي الصارم، الذي أكد للجميع أن الإنفصال كان جنوبياً هواه، جغرافياً ثراه، وماشوسزمياً مداه، والأخيرة تعني جلد الذات، وبين هذا وذاك تتضاءل بالطبع فرص الإمساك بالتلاقح الثقافي بين الطرفين ، وتبعاً لذلك سوف تتضاءل مقولة الثقافة تقود الحياة لان عربة الثقافة ستكون أمام حصان الحياة.

*رغم هذا وذاك كان الراحل الدكتور جون قرنق الوحدوي الهوى يطرب ويعشق الفن السوداني الشمالي وكان يطرب لأغنيات عثمان حسين ، وأحمد المصطفى، وكابلي، وآخرين جاء ذلك في حوار صحفي أجري معه ، كما أن الفنان الجنوبي الراحل عبدالله دينق كان يغني بعربي الخرطوم وليس بعربي جوبا، فكان يردد رائعة الخليل (عازة) ورائعة الكاشف (أسمر جميل وين يا أسمر) وقبل ذلك كان الفنان الشاهق صلاح مصطفى قد غنى بعربي جوبا .. (سوداني بليدنا وكلنا إكوان .. انا واكوي ملوال في جوبا في ملكال كلنا إكوان).

*رغم هذا وذاك خرج من بين طواحين الهواء طائر العنقاء وأشعل النار في جسده، فإحترقت الغابات الإستوائية، وتبعاً لذلك إنطلقت العصافير الإستوائية في أطول وأقسى رحلة في كل المواسم ، فكانت رحلة (موسم الهجرة الي الشمال) ومن ثم جاء سبت مايكل للشمال ، وأنجب إبنه مصطفى، فالتحية لمصطفى الذي أبدع وكتب هذه الحكاية المؤثرة والتحية موصولة لمصطفى الولد الجنوبي الذي حمل إسم مصطفى ابو العزائم سبت مايكل.