كرتة الذهب.. أحواض الموت (2-2)
- السيانيد والزئبق.. حوادث قاتلة
- ظهور آثار الزئبق والسيانيد في بول ودم أطفال بمناطق التعدين الأهلي
- 20 % من عينات المياه التي تم فحصها بأحد مناطق تعدين الذهب ملوثة بالزئبق
- التخلص من اكوام الكرتة داخل المزارع والمناطق السكنية سبب رئيسي لظاهرة إجهاض النساء
- معوقات فنية ولوجستية تواجه شركات معالجة مخلفات التعدين التقليدي
تحقيق ــ التاج عثمان:
سبق ان أجريت تحقيقا صحفيا من داخل مناطق التعدين الأهلي المنتشرة بمنطقة أبو حمد ولاية نهر النيل وكان يرافقني مدير الطواحين ــ طواحين الذهب ــ التابع لمحلية أبو حمد.. ونحن نتجول هناك لفت إنتباهي كوم كبير من التراب اشبه بالتل فسألته عنه فقال مشيرا له: هذا الكوم من التراب قيمته يمكن ان تشتري لك 5 عمارات بالخرطوم ويطلق عليه هنا (كرتة الذهب) ويحتوي على حبيبات صغيرة من الذهب لا ترى بالعين المجردة.. ومنه علمت وجود 700 كوم مماثل بعطبرة وبربر.. و 450 الف طن تراب ملوث يحتوي على حوالى 2 طن زئبق تنتشر على مساحة 100 كيلو متر مربع فقط.. أرقام مفزعة ومعلومات مخيفة تتعلق بخطورة كرتة الذهب واحواض غسيلها على المعدنيين وسكان المنطقة والبيئة والحيوانات والطيور يتضمنها هذا التحقيق عن مخلفات او تراب الذهب والذي يطلقون عليه بمناطق التعدين الأهلي بولاية نهر النيل بـ(ذهب الغلابه).
حوادث قاتلة:

حوادث التسمم بمخلفات الكرتة المسجلة رسميا بعطبرة وبربر كثيرة ومأساوية، وحجم التلوث يفوق بكثير العائد الإقتصادي والخسائر في الأرواح وإتلاف التربة.. ومن هذه الحوادث على سبيل المثال:
ــ الإسبوع الماضي نفق قطيع من الضأن مكون من 20 من الخراف بعد شربه مياها ملوثة بالسيانيد والزئبق الساميين بأحد احواض غسيل كرتة الذهب (أحواض التخمير) بولاية نهر النيل.
ــ كارثة التلوث عامي 2025 ــ 2026 بالمنطقة الواقعة بين شمال عطبرة وجنوب بربر، والتي تسبب فيها كوم من مخلفات التعدين (الكرتة)، يحتوي على 450 الف طن تراب ملوث بحوالي 2 طن زئبق.
ــ نتائج موثقة أثبتت ان 20% من عينات المياه التي تم فحصها بالمنطقة المشار إليها تحتوي على زئبق وسيانيد بنسب مرتفعة.
ــ ظهور آثار الزئبق والسيانيد في بول ودم أطفال في أعمار (4 ــ 11) سنة.
ــ إصابة مجموعة من الأطفال الصغار إستحموا في المياه الملوثة بمخلفات الذهب، بحساسية جلدية.
ــ زيادة ملحوظة في حالات الإجهاض للنساء الحوامل خلال 18 شهرا من وضع اكوام الكرتة داخل بعض المزارع ومناطق السكن، نتيجة الجهل بخطورتها.
ــ نفوق اعداد كبيرة من الطيور والماشية التي شربت من مياه أحواض معالجة كرتة الذهب الملوثة بالسيانيد.
ــ وهناك حوادث لتسمم مباشر بمخلفات الذهب بمناطق التعدين الأهلي فبعد طحن الحجارة المرجح إحتوائها على ذهب وبعد معالجتها بالزئبق يقوم البعض ببيع المخلفات لصغار التجار الذين يقومون بمعالجة المخلفات بإستخدام السيانيد بشكل غير قانوني داخل براميل مفتوحة بدون أي معايير بيئية،، وبعد إستخلاص حبيبات الذهب يقومون بسكب الماء الملوث من البراميل على الأرض مباشرة قرب المساكن والمزارع، فتتسرب إلى نهر النيل.. وحسب بعض التقارير العلمية فقد ظهرت بعض الأمراض المرتبطة بالتلوث البيئي بالسيانيد على السكان المحليين.
أعراض التسمم:
ــ يحذر بعض الأطباء إن السيانيد يتسبب في تسمم حاد وقاتل إذا ما تم إستنشاق الأبخرة المتصاعدة منه من الأحواض، ويسبب غيبوبة وتشنجات وإنقطاع التنفس، والسكتة القلبية ثم الموت خلال ثواني معدودات.
ــ اما التسمم المزمن بالسيانيد والزئبق، فأعراضه تتمثل في: شلل دائم ــ التأثير على الجهاز العصبي ــ قصور في أداء الغدة الدرقية ــ الإجهاض المتكرر للنساء ــ تلف الكبد ــ حساسية جلدية.
ــ غاز سيانيد الهيدروجين لو تم إستنشاقه، كما يحدث الأن باحواض غسيل كرتة الذهب، فإنه يقتل الشخص فورا.. اما الزئبق فيتراكم في الجسم ويؤثر لاحقا حتى على الأجنة داخل أرحام أمهاتهم.
وللأسف رغم ان هيئة المواصفات أوقفت مؤخرا خلاطات طحن الذهب، إلا ان تلال الكرتة لا تزال موجودة ومتجددة، وخطورتها ان الأمطار والسيول والفيضانات الموسمية تنقل هذه المخلفات القاتلة إلى مناطق أخرى بعيدة، وحسب متابعات الصحيفة يوجد 700 كوم كرتة بمناطق التعدين الأهلي في محيط عطبرة وبربر.. بجانب 450 الف طن تراب ملوث يحتوي على حوالى 2 طن زئبق في مساحة 100 كلم مربع فقط، وذلك نتيجة رمي بعض تجار الكرتة مخلفات البراميل بعد غسيل تراب الذهب على الأرض مباشرة وقد تظل في مكانها حتى موسم الخريف حيث تنقلها الأمطار والسيول لمناطق أخرى بعيدة او إلى النيل مباشرة فتختلط بمياه الشرب لتفتك بالبشر والأنعام.
فحص الكرتة:

حسب المعلومات التي تحصلت عليها أثناء زيارتي لمناطق التعدين الأهلي بنهر النيل، فإن سوق الذهب به 128 صائغ، وتقوم هيئة المواصفات بحملات ميدانية لفحص الأختام والعيار بمحال الصاغة، اما فحص الكرتة فإن كبار الصاغة خاصة ببربر، لديهم أجهزة (إكس آر إن)، للفحص المبدئي للكرتة قبل الشرء، وهو جهاز بسيط للفحص السريع للكرتة ويحدد نسبة الذهب بدون إتلاف عينة الكرتة.. وبعض شركات التعدين الأهلي لديها معامل صغيرة بمواقع التعدين حول بربر للفحص اليومي للكرتة، لكن نتائجها غير معتمدة رسميا.. وتبلغ رسوم فحص الكرتة بهيئة المواصفات بعطبرة في حدود (50 ــ 100) الف جنيه للعينة الواحدة.. وهناك فحص عشوائي يطلق عليه (فحص النار).. اما الفحص الرسمي لكرتة الذهب فلا بد ان يتم بواسطة هيئة المواصفات.. ومن المعلومات الأخرى التي تحصلت عليها فإن مصفاة السودان للذهب بعطبرة تستقبل حوالى 20 طن خام (كرتة) ذهب شهريا من عطبرة، حيث يوجد معمل فحص اولي للكرتة لكنهم لا يقدمون شهادة للبيع الحر، فقط بغرض التوريد للمصفاة.
والجهه الحكومية الوحيدة المعتمدة هي الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، قطاع نهر النيل وعطبرة، رئاستها بعطبرة، والقسم المختص هو قسم دمغ المصوغات الذهبية والذي يقوم بتحليل وفحص وختم المعادن النفيسة والسبائك، وإصدار شهادات التصنيع والمعايرة، بجانب فحص عينات الذهب الخام ــ الكرتة ــ لتحديد نسبة الذهب فيه.. الأرقام التي تحصلت عليها من هناك، انه تم فحص عينات الذهب بالكرتة لتحديد نسبة الذهب فيه.. وفي عام 2025 قام قسم دمغ المصوغات الذهبية فحص وختم (5,201,643) طن ذهب سبائك ومشغول، وتتعامل مع القسم 67 شركة بولاية نهر النيل، وشهادتها معترف بها في مصفاة والتصدير.
شركات المعالجة:
إنعقد مؤخرا بمصر إجتماعا مهما، ضم المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، الأستاذ، محمد طاهر عمر، وممثلي شركات معالجة مخلفات التعدين التقليديين ناقش الإجتماع، حسب (تسامح نيوز)، التحديات والقضايا المرتبطة بقطاع معالجة المخلفات، وذلك في إطار توجهات الشركة الرامية لتطوير قطاع التعدين وزيادة الإيرادات ودعم الإقتصاد الوطني.. وأشار ممثلو الشركات ان قطاع شركات المعالجة مواجه ببعض المعوقات الفنية واللوجستية بمواقع الإنتاج المختلفة وضرورة تذليل التحديات التي تواجهه وتحسين بيئة العمل بما يسهم في غستقرار الغنتاج ورفع الكفاءة التشغيلية وزيادة معدلات الغنتاج، مشيدين بالدور الكبير للشركة السودانية للموارد المعدنية في سعيها لمعالجة قضايا المنتجين وتطوير قطاع التعدين، مؤكدين إلتزامهم بمضاعفة الإنتاج وتنفيذ خططهم التشغيلية بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتخفيف الغستقرار التنموي في السودان.