الكرتة.. أحواض الموت (1-2)
- أطفال يعملون في أحواض غسيل الذهب وسط السيانيد والزئبق
- مخلفات الذهب المخلوطة بالسيانيد والزئبق تتسبب في الفشل الكلوي والكبدي وتشوهات الأجنة
- إيقاف 90% من تصاديق الكرتة بواسطة الشركة السودانية للموارد المعدنية
- (3)مليون جنيه سعر برميل السيانيد المهرب في السوق الأسود
- 80 %من المتهمين في قضايا التنقيب الأهلي من الذين يتاجرون في كرتة الذهب
تحقيق ــ التاج عثمان:
سبق ان أجريت تحقيقا صحفيا من داخل مناطق التعدين الأهلي المنتشرة بولاية نهر النيل وكان يرافقني مدير الطواحين ــ طواحين الذهب ــ ونحن نتجول هناك لفت إنتباهي كوم كبير من التراب اشبه بالتل فسألته عنه فقال مشيرا له:”هذا الكوم من التراب قيمته يمكن ان تشتري لك 5 عمارات بالخرطوم ويطلق عليه هنا (كرتة الذهب) ويحتوي على حبيبات صغيرة من الذهب لا ترى بالعين المجردة”.. ومنه علمت وجود 700 كوم مماثل بعطبرة وبربر.. و 450 الف طن تراب ملوث يحتوي على حوالى 2 طن زئبق تنتشر على مساحة 100 كيلو متر مربع فقط.. أرقام مُفزعة ومعلومات مخيفة تتعلق بخطورة كرتة الذهب وأحواض غسيلها على المعدنيين وسكان المنطقة والبيئة والحيوانات والطيور يتضمنها هذا التحقيق عن مخلفات او تراب الذهب والذي يطلقون عليه بمناطق التعدين الأهلي بولاية نهر النيل بـ(ذهب الغلابه).
تراب الذهب:

كرتة الذهب هي التراب والصخور المطحونة التي تم غسلها وتحتوي في الغالب على حبيبات من الذهب متناهية الصغر لا ترى بالعين المجردة.. وتوجد بنسبة (1 ــ 5) جرام في الطن الواحد.. وفي السابق كان المنقبون العشوائيون يتخلصون منها لجهلهم بما يمكن ان تحتويه من ثروة، لكن مؤخرا أصبحت ذات قيمة مادية كبيرة.. وحسب ما ذكره لي بمنطقة الطواحين احد تجار الكرتة المشهورين هناك، فإن الكرتة تستخرج بطريقتين:
الطريقة الأولى: خلط الكرتة مع سيانيد الصوديوم داخل احواض السيانيد لإذابة الذهب.. بعدها يتم ترسيب الذهب بالزنك والكربون.. هذه الطريقة تنتشر بولايات نهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر.
الطريقة الثانية: خلط الكرتة بالزئبق الذي يقوم بتجميع حبيبات الذهب الصغيرة، ثم يتم حرقه حتى يتبخر الزئبق وينفصل عن الذهب.. والخطورة في الطريقة الثانية ان البخار المتصاعد من الزئبق بعد حرقه يتسبب في الفشل الكلوي، وتلف المخ، ومعروف ان إستخدام الزئبق ممنوع عالميا.
أسعار الكرتة:
حسب المعلومت التي إستقيتها من منطقة طواحين الذهب الواقعة خارج مدينة أبو حمد بولاية نهر النيل، عند زيارتي لها، ان الكرتة تباع بالطن او القلاب حسب نسبة الذهب المتوقعة.. ويبلغ سعر طن الكرتة الضعيفة في حدود (15 ــ 30) ألف جنيه، حيث تبلغ نسبة الذهب فيها حوالى (1 ــ 2) جرام في الطن.. والمتوسطة سعرها (40 ــ 80) الف جنيه، ونسبة الذهب فيها تتراوح بين (3 ــ 5) جرام في الطن.. اما الكرتة الغنية بالذهب فسعر الطن الواحد منها في حدود (100 ــ 250) الف جنيه، ونسبة الذهب فيها في حدود (6 ــ 10 جرام في الطن)، والكرتة الغنية بالذهب غالبا تأتي من عمليات التنقيب بمناجم (قبقبة).. وعلى سبيل المثال فإن طن الكرتة لو تم إستخراج منه 5 جرام ذهب عيار 24، فإن سعره يكون حوالى 450 ألف جنيه، وعيار 21 الخمسة جرام قيمتها حوالى 79 الف جنيه.. علما ان 80% من الذهب المستخلص من الكرتة يتم تهريبه لدبي وتشاد، ولا تستفيد منه الدولة في شيئ.. وكما علمت، فإن نزاعات كثيرة نشبت بين المواطنين من سكان المنطقة والمنقبين العشوائيين ومصانع الكرتة بسبب المخلفات.
وقبل الحرب كان سعر طن الكرتة 5 الف جنيه، وبعد الحرب قفز إلى 80 ألف جنيه للطن، وذلك لتوقف شركات التنقيب الكبرى، مع زيادة التعدين الأهلي.
أحواض الغسيل:
معلوم ان السيانيد ممنوع دخوله البلاد ولذلك يتم إدخاله بالتهريب عبر دارفور وكردفان وأبو حمد وعطبرة، حيث توجد مصانع إستخلاص الذهب، ويباع في السوق الأسود بمبلغ 3 مليون جنيه للبرميل الواحد.. والخطورة ان النساء والأطفال أصبحوا يعملون في أحواض غسيل الكرتة والتي يضاف إليها مادة السيانسد السامة والزئبق رغم خطورتهما على صحة النساء والأطفال الذين يعملون في غسيل الذهب.
اما الأحواض التي تغسل فيها كرتة او تراب الذهب فتعد خطيرة للغاية، فبعد غسل الكرتة وإستخراج الذهب منها يتم التخلص من البقايا عشوائيا، كما ان احواض غسيل الكرتة تتسبب في تسرب كميات من السيانيد للنيل متسببة في تسمم بيئي بولاية نهر النيل، حيث تم تسجيل حالات نفوق للمواشي والأسماك عام 2025..بجانب ان مخلفات او بقايا الكرتة المخلوطة بمادتي السيانيد والزئبق تتسبب في الفشل الكلوي وتشوهات الأجنة، ولذلك منعت السلطات المحلية مصانع الكرتة بعطبرة وبربر.. وكما علمت فإن أحواض غسيل الكرتة ولعائدها الكبير، أصبحت تؤجر من البعض للباحثين عن الذهب داخل تراب الكرتة، بملايين الجنيهات.
قانون الكرتة:
القانون صريح بالنسبة للكرتة، فقانونيا لا بد من إستخراج تصريح من الشركة السودانية للموارد المعدنية، مع التشدد في عدم إستخدام السيانيد والزئبق بدون معدات حماية كاملة، وهذا لا يحدث.. فهناك بدائل آمنة لمعالجة الكرتة كبديل للسيانيد والزئبق، ومنها مادة (الثيوريا)، و(الجاذبية) لكنها مكلفة.. وحسب وجهة نظر بعض القانونيين فإن الوضع القانوني لكرتة الذهب بعد الحرب أصبح غامضا، من حيث عدم إلتزام المنقبون به، فمثلا إستخدام السيانيد بدون ترخيص عقوبته السجن 10 سنوات، والغرامة 50 مليون جنيه، وهو القانون الجديد الذي تم تطبيقه بعد كارثة عطبرة 2025.. اما تهريب السيانيد المستخلص من الكرتة فعقوبته المصادرة والسجن (5 ــ 15) سنة.
وحسب المصادر القانونية فإن 80% من المتهمين الأن من الذين يعملون ويتاجرون في كرتة الذهب.. وبنص القانون الجديد لعام 2026 فإن تلويث مصادر المياه بالكرتة التي تحتوي على السيانيد والزئبق، او الكرتة المخلوطة بالماء بعد إستخلاص الذهب منها ورميها في مصادر المياه او قرب المدن عقوبته إغلاق المنشآت وتعويض المتضررين ماديا، حيث أصبح الأهالي المتضررين الذين يقطنون قريبا من مناطق التعدين يقومون بفتح بلاغات لدى الشرطة ضد كل من يستخدم الأطفال والنساء في احواض إستخلاص الذهب من الكرتة وعقوبته السجن 3 سنوات.
وفي ذات السياق قامت الشركة السودانية للموارد المعدنية بإيقاف 90% من تصاديق الكرتة، حيث ان 95% منهم مخالفين.. وأصدرت ولايتي الشمالية ونهر النيل قرارات محلية تمنع وجود مصانع الكرتة بالقرب من النيل، وحددت المسافة بينها والنيل بـ(10) كيلو على الأقل.
نواصل