آخر الأخبار

الإقصاء السياسي… من احتكار الوطن إلى حكم الصندوق

موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*أخطر ما أصاب الحياة السياسية السودانية أن الإقصاء تحول من ممارسة عارضة تفرضها الخصومات إلى ثقافة راسخة تتوارثها القوى السياسية، وتعيد إنتاجها كلما تبدلت مواقع السلطة والمعارضة.. فالذين رفضوا إقصاءهم بالأمس يمارسونه اليوم، والذين يرفعون شعارات الحرية والتعددية يضيقون بها عند أول اختلاف، حتى غدا المشهد السياسي ساحة يتنافس فيها الجميع على إخراج الآخرين منها، بدلاً من التنافس على تقديم ما يستحقون به ثقة الشعب وتفويضه.. تجاوزت هذه الظاهرة الأحزاب والتنظيمات السياسية إلى كثير من القيادات والرموز المدنية والعسكرية، وأصبحت حاضرة في الخطاب والممارسة، وفي التحالفات والانقسامات، وفي تعريف الوطنية وتوزيع صكوك الشرعية.. وكل طرف يكاد يرى في نفسه التعبير الأصدق عن إرادة السودانيين، ويمنح ذاته حق تحديد من يستحق البقاء في المشهد ومن ينبغي أن يغادره.. وتزداد خطورة هذه النزعة عندما تصدر عن قيادات تتولى مسؤوليات سيادية أو عسكرية، لأن مواقعها تفرض عليها حماية المجال الوطني الجامع، وصون مؤسسات الدولة من التحول إلى أدوات في الخصومة السياسية.. وهنا تكمن المعضلة؛ إذ تتحول السياسة من إدارة للاختلاف إلى محاولة لإنهائه، ومن تنافس بين البرامج إلى صراع على احتكار الوطن.
*ومن الضروري التمييز بين مقتضيات الحرب وقواعد العمل السياسي.. فالدولة التي تواجه تمرداً مسلحاً يستهدف مؤسساتها ووحدتها تملك الحق في حماية أمنها ومواجهة من يشارك في العدوان عليها أو يقدم له دعماً يجرمه القانون، وفق إجراءات عادلة ومسؤوليات محددة.. أما الاختلاف السياسي السلمي، مهما بلغت حدته، فلا يجوز أن يتحول إلى تهمة تستوجب الإبعاد، أو أن يُختزل في معيار الولاء لهذا المعسكر أو ذاك ورفض الإقصاء السياسي لا يعني تعطيل المساءلة عن الجرائم والانتهاكات؛ فالمحاسبة من اختصاص القضاء، وفق القانون والأدلة، بينما يظل الاختلاف في الرأي حقاً أصيلاً لا يستوجب العقاب.. والخلط بين المجالين يفتح الباب لتوسيع دائرة الخصومة حتى تشمل كل مخالف في الرأي.
لقد قدم التاريخ السياسي السوداني شواهد متكررة على إخفاق الإقصاء في بناء الاستقرار.. تعاقبت أنظمة الحكم، وتبدلت الشعارات، وتغيرت مواقع القوى السياسية، وبقيت الرغبة في استبعاد الخصوم حاضرة في كل مرحلة تقريباً.. وكانت النتيجة تراكم المرارات وتآكل الثقة، وتحول الانتقال السياسي، في كثير من الأحيان، إلى مناسبة لتصفية الحسابات أكثر منه فرصة لتأسيس قواعد جديدة للحكم. ولعل الدرس الذي لم تستوعبه النخب السودانية بعدُ هو أن إقصاء الخصوم قد يمنح أصحابه انتصاراً عابراً، لكنه يترك وراءه أسباباً جديدة للصراع، سرعان ما تعود لتقويض ما تحقق من مكاسب.
*ويحضر هنا شعار (تسقط بس) بوصفه أحد أبرز شعارات مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.. فقد نجح في حشد قطاعات واسعة حول إسقاط نظام الإنقاذ، معبّراً عن تطلعات مشروعة للتغيير، لكنه لم يكن، بطبيعته كشعار تعبوي، تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن يقوم على أنقاض النظام.. وقد كشفت ممارسات المرحلة الانتقالية عن اختلالات في إدارة التغيير، وتداخل بين تفكيك منظومة الحكم السابقة والمحافظة على مؤسسات الدولة وخبراتها ومنجزاتها. فسقط النظام، وتعرضت معه مقدرات ومؤسسات وطنية للتفكيك أو الإهدار، بينما ظلت المعضلات البنيوية قائمة، بل ازدادت تعقيداً.. وكان الأجدر أن يستهدف التغيير مواطن الفساد والخلل، مع صون ما راكمته الدولة من خبرات ومقدرات؛ فالدول تُصلح مؤسساتها لتستمر، ولا ينبغي أن تفقد مقومات بقائها مع كل تحول سياسي.. وقبل أيام بدأ يتردد شعار (اختونا) أو (اختانا) في بعض أوساط المشهد السياسي، تعبيراً عن الرغبة في التخلص من أطراف أو تيارات أو شخصيات بعينها. وقد يبدو الشعار مريحاً لأصحابه في لحظة الغضب، لكنه يستدعي الذهنية ذاتها التي أثبتت محدوديتها في صناعة المستقبل. ومن يدري، فقد(يختانا) معه كثير من الخير المرجو، وتضيع فرص التفاهم والاستفادة من الكفاءات والخبرات الوطنية، لمجرد أن أصحابها يقفون في مواقع سياسية مختلفة.. فالأوطان التي تواجه تحديات وجودية تحتاج إلى جمع طاقاتها وتوسيع فرص المشاركة، وإلى إدراك أن الاختلاف في الرأي لا يلغي القيمة الوطنية لصاحبه.

*والمشكلة الأعمق أن الإقصاء يمنح الخصومة السياسية طبيعة وجودية؛ إذ يصبح بقاء أحد الأطراف مشروطاً بغياب الآخر، فتتراجع فرص التسوية، وتتسع دوافع الاحتماء بالقوة، وتضعف إمكانية بناء مؤسسات تحظى بقبول واسع.. ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار هذه الثقافة بعد الحرب قد يعيد إنتاج أسباب عدم الاستقرار، حتى لو نجحت الدولة في استعادة السيطرة العسكرية على كامل أراضيها. فالدولة تستطيع أن تنتصر في معركة السلاح، ثم تخسر معركة الاستقرار إذا عجزت نخبها عن إدارة الاختلاف داخل إطار وطني جامع.. والحقيقة التي ينبغي أن تستقر في الوعي السياسي السوداني أن صندوق الانتخابات هو الوسيلة المشروعة لإبعاد البرامج والقيادات عن السلطة، وإحلال غيرها محلها بإرادة المواطنين. أما الحقوق السياسية والمدنية فلا تسقط بالخسارة الانتخابية، ولا تصبح الأغلبية تفويضاً بإلغاء الأقلية.. فالانتخابات تمنح حق الحكم لمدة محددة، وتترك للمعارضة حق التنظيم والنقد والاستعداد للمنافسة المقبلة.. غير أن صندوق الاقتراع لا يؤدي رسالته بمجرد وضع الأوراق فيه، وإنما حين يقبل الخاسر حق الفائز في الحكم، ويحترم الفائز حق الخاسر في المعارضة، ويؤمن الاثنان بأن تداول السلطة لا يعني تداول الحق في إقصاء الآخرين.
*ومن هنا ينبغي أن تتغير وجهة الجهد الوطني. فبدلاً من الانشغال بمن ينبغي إخراجه من المشهد، علينا أن ننشغل بتهيئة البلاد لانتخابات حرة ونزيهة، وإعادة بناء الأحزاب على أسس مؤسسية، وتطوير برامجها وتجديد قياداتها، وإرساء ضمانات التنافس العادل واستقلال القضاء وحياد أجهزة الدولة.. وهذه المهمة تقتضي معالجة آثار الحرب، وتهيئة البيئة الأمنية، وضمان مشاركة النازحين واللاجئين، حتى تصبح الانتخابات تعبيراً حقيقياً عن الإرادة الشعبية، بعيداً عن سطوة السلاح وأدوات النفوذ.. فالديمقراطية تبدأ بالاعتراف بحق الآخر في المشاركة السياسية، وتترسخ بالالتزام بقواعد المنافسة ونتائجها.. وفي الطريق إلى ذلك، نحتاج إلى قدر كبير من الاحتمال المتبادل، وإلى شجاعة سياسية تجعل الحوار ممكناً بين المختلفين، والتعاون متاحاً بين المتنافسين. علينا أن نحتمل بعضنا بعضاً، وأن يحمل بعضنا هموم بعض، وأن ندرك أن الوطن أوسع من أحزابنا وتحالفاتنا، وأن المواطن الذي دفع أثمان الحرب والانقسام يستحق من نخبه مشروعاً للحياة، بدلاً من معارك متجددة حول أحقية الوجود السياسي. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن نختلف حول كيفية حكم السودان، مع اتفاقنا على حق أبنائه في المشاركة في تقرير مستقبله، وفق الدستور والقانون.
*إن أخطر ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة دولة تنتهي فيها الحرب المسلحة لتبدأ حرب الإقصاء السياسي وأعظم ما يمكن أن ننجزه أن نؤسس لوطن يستطيع فيه الخصوم التنافس دون تخوين، والاختلاف دون قطيعة، والخسارة دون خوف، والفوز دون استعلاء.. فاستقرار السودان المقبل سيتحدد، إلى حد بعيد، بقدرة قواه السياسية وقياداته المدنية والعسكرية على تجاوز عقلية الغلبة، والانتقال إلى ثقافة المؤسسات والشرعية الشعبية.. فلنعمل جميعاً من أجل اليوم الذي يصبح فيه صندوق الاقتراع حكماً بين البرامج والقيادات، ويظل الوطن متسعاً للجميع. ولنحتمل بعضنا بعضاً في الطريق إلى ذلك، فالسودان الذي أنهكته الحروب والخصومات يحتاج إلى من يجمع طاقاته لبنائه، والمواطن الذي دفع أثمان صراعات النخب يستحق أن يسترد حقه في اختيار من يحكمه. ولعل الحقيقة التي تأخرنا كثيراً في استيعابها أن السلطة تتغير، والخصومات تنتهي، وأن الوطن يبقى أعلى من الجميع وأغلى من الجميع.