آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (35)(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ب)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*لا أعلم كيف تأزمت هذه الحالة الفظيعة حتى وصلت إلى الذروة، غاية ما أعرف أنني استيقظت ذات صباح على حال غير حالي المعتاد، كأن جسمي منفصل عني وأنا مستلق في راحة ونعومة. أحسست بتعب طيب يثقل بدني كما لم أعرفه منذ شهور؛ أحاطني دفء وراحة، بحيث لم أشأ أن أفتح عينيّ على الفور، كنت قد صحوت قبل لحظات لكني بقيت متنعماً وأنا مستلق على الفراش بخمول ثقيل وحواس مخدرة. ثم خُيل إلىَّ فجأة سماع   أصوات من خلفي، أصوات بشرية حية تهمس بهدوء وتنطق بكلمات لن تتصور كيف طربت بعد شهور أو ما يقرب من سنة لم أسمع فيها إلا اللهجة الجافة والحادة والخبيثة للجنة المحكمين. قلت لنفسي: (إنك تحلم إنك تحلم! إياك أن تفتح عينيك دع الحلم يستمر وإلا ستعود لترى من جديد الزنزانة الملعونة والكرسي والحوض والمنضدة ونقش الورق ذاته الأزلي يحيط بك. أنت تحلم دع الحلم يستمر).

*لكن الفضول غلبني ففتحت عينيَّ بهدوء وحذر،  وياللعجب.. وجدت نفسي في غرفة أخرى، أفسح وأكثر اتساعاً من زنزانتي الفندقية، بها نافذة ليس عليها سياج حديدي يدخلها النور حراً ومطلة على منظر أشجار خضراء تتمايل مع الريح بدلاً من الجدار الحجري الجامد، والحوائط ملساء، طلاؤها ناصع البياض، والسقف أبيض ومرتفع حقا، كان فراشاً جديداً وغريباً عليَّ

*إنني إذن لم أكن أحلم وها هي أصوات الناس من خلفي تهمس برفق. تقلبت من وقع المفاجأة بشدة؛ لأنني سمعت خطوات تقترب مني. امرأة خفيفة الخطوات ذات غطاء رأس أبيض تقدم عليَّ، إنها ممرضة راهبة انتابتني رعدة من الوجد والسرور؛ إذ لم أرَ امرأة منذ عام. تأملت الكائن الجميل بنظرة لا ريب فيها وَلهٌ طائش؛ إذ حثتني على الهدوء وهي تقترب: (اهدأ، لا تتحرك). لكنني فقط كنت أنصت لصوتها – هل هذا صوت إنسان الذي يتكلم ؟ هل ما

زال هناك بشر على الأرض لا يستجوبونني ولا يعذبونني؟ بل أنه – يا للمعجزة أعجز عن تصديقها! صوت امرأة ناعم دافئ يكاد يكون حنوناً. نظرت بلهفة إليها، فقد كنت خلال هذا العام من الجحيم نسيت كيف يتحدث إنسان بلطف إلى إنسان آخر.

نهاية المداد:

محاولة التحاور مع شخص تخلى عن أيّ منطق، هو عمل أشبه بإعطاء الدواء لجثة.

 (توماس باين)