من مأدبة (القاهرة) إلى (أمري)… البرهان ينهي رواية الهدنة بالضربة القاضية
تقرير-الطيب عباس:
لم تتوقف منذ ليل الاثنين، الأقلام المحسوبة على تحالف صمود في نسج روايات وقصصا حول الاتفاق على الهدنة، مستغلة مٱدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جمعت رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والرؤساء الأفارقة المشاركون في قمة العلمين بجانب مسعود بولس، مستشار ترامب
حاولت هذه الأقلام استغلال اللقاء لتمرير تفاهمات غير رسمية ورسائل متبادلة بين الطرفين.
وفيما بدأ واضحا أن اللقاء الذي كشف عنه مسعود بولس في تغريدة على منصة إكس، وحاول بخبث تصوير الأمر وكأنه تفاهمات بالتركيز على توصيف البرهان برئيس مجلس السيادة لأول مرة، وذلك لخلق مزيد من الالتباس، غير أن الحقيقة التي لا تقبل الجدال يشير إلى أن هذا اللقاء فرضته ظروف التواجد في القاهرة، ومناسبة اجتماعية ضمت الرؤساء الأفارقة ولم تكن هناك أي لقاءات ثنائية بين البرهان ومسعود بولس وفقا لمصادر حكومية.
تطويع مناسبة اجتماعية:
كيف تم تضخيم مأدبة غداء اجتماعية جمعت رؤساء أفارقة إلى لقاءا ثنائيا بين البرهان وبولس، يقول الكاتب الصحفي أحمد شموخ، أن الالتباس حدث من تغريدة مسعود بولس نفسه، ويرى شموخ أن اللبس هنا كان مقصودا من بولس، الذي تعمد صياغة تغريدته بطريقة تتيح الإيحاء بأن وجود البرهان في المأدبة التي حضرها بولس يمثل لقاء سياسيا بين الرجلين، وأوضح أن الرئيس السيسي أقام مأدبة غداء لرؤساء الوفود والدبلوماسيين المشاركين في اجتماعات الاتحاد الأفريقي التي تستضيفها مصر، وكان البرهان واحداً من عشرات القادة والمسؤولين والدبلوماسيين الأفارقة والأجانب ورجال الأعمال الحاضرين.
مشيرا إلى أنه لم تكن هناك مأدبة غداء أخرى، ولا لقاء منفصل بين البرهان وبولس.. وهنا تحديداً تكمن لعبة الحرب النفسية بمحاولة تحويل حضور البرهان في مأدبة عامة إلى انطباع بوجود لقاء سياسي، بالتزامن مع تقديم تنازل صوري في استخدام صفته السياسية الرسمية.
بالنسبة لشموخ فإن ما حدث هو حرب نفسية، خصوصا وأن مسعود بولس كان يصف البرهان بـ(رئيس الجيش)، لكنه عاد الآن إلى استخدام صفته السياسية الرسمية (رئيس مجلس السيادة الانتقالي)، معتبرا أن هذا شكل آخر من عمليات الحرب النفسية التي يمارسها بولس ضد السودان عبر اللعب على الألفاظ وصناعة انطباع سياسي لا تثبته الواقعة نفسها.
ما سال من حبر بعد ذلك تعليقا على تغريدة مسعود بولس، أخرج الأمر من سياقه وحوله إلى لقاء أشبه بما حدث في المنامة، ودفقت أقلام محسوبة على تحالف صمود، حبرا كثيرا في نسج روايات متشعبة وقصص وحكايات وصلت حد اقتراب التوقيع على الهدنة، أربكت المشهد السوداني، ما دفع مسؤول حكومي لنفي أي لقاء أو مجرد حديث عابر بين البرهان وبولس في مأدبة القاهرة.
الضربة القاضية:

وفيما يبدو فإن الأمر كان مقلقا حتى على مستوى قيادة الدولة السودانية، ذلك لأن أي حديث عن هدنة وفقا للباحث دكتور عثمان نورين، فإن تأثيره سيكون سلبيا وسريعا في جبهات القتال، ليس من طرف القوات المسلحة، وإنما ستستخدم قيادات المليشيا شائعة الهدنة لتثبيت جنودها الذين يهربون الٱن أمام جنود الجيش في محور كردفان، وهو ما دفع رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان شخصيا لنفي الروايات المنسوجة عن مأدبة القاهرة.
ظهر البرهان أمس في لقاء جماهيري بمنطقة أمري بالولاية الشمالية، مؤكدا ما ظل يردده باستمرار بأن معركة الكرامة لن تتوقف حتى تحرير كامل الأراضي السودانية، وقطع بعدم وجود هدنة وأضاف (لا عندنا مفاوضات مع زول ولا قاعدين نتكلم مع زول ولا عندنا حاجة مع زول).
ومع أن البرهان هنا لم يتحدث صراحة عما حدث في القاهرة، لكن وفقا لدكتور نورين، فإن حديث البرهان هو رد عملي على الشائعات التي تولدت من تغريدة مسعود بولس، مشيرا إلى أن البرهان يعني ذلك تماما حتى ولو لم يصرح صراحة.
البرهان مضى أبعد من ذلك، مؤكدا على أنه لا يملك قرار التفاوض ولا الهدنة، مشيرا إلى أن في السودان مؤسسات شرعية قائمة وقضايا الحرب والسلام قرار خاص بمجلس الأمن والدفاع، لا ملك للبرهان ولا لمناوي، الذي دارت حوله شائعات عن قبوله بالهدنة.
إغلاق الملف:
تصريحات البرهان في أمري قطعت الشك باليقين وأوقفت هدر الأحبار في شائعة مزعجة، فيما أكد الباحث دكتور محمد المصطفى أن حديث البرهان في منطقة أمري يُفهم ضمن هذا السياق السياسي والإعلامي بالتحديد، وذلك لتزامن حديثه مع تداول تقارير صحفية تحدثت عن عقد لقاء جمع بينه وبين مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في القاهرة.
وأوضح المصطفى أن تأكيد البرهان على أنه “لم يتحدث مع أي شخص” بمثابة إغلاق لباب التكهنات السياسية، وتوجيه رسالة للداخل السوداني بأن القيادة غير منخرطة في تسويات خلف الأبواب المغلقة.
بتجاوز هذه المناسبة الاجتماعية التي جرى تطويعها لتحقيق نقاط سياسية، يكون الحسم العسكري وفقا لمراقبين هو الأقرب لتحقيق جميع المطلوبات التي كانت ستؤديها الهدنة التي يلهث خلفها مستشار ترامب، فسيادة الجيش السوداني على الأراضي يعني عودة اللاجئين والنازحين وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، وهى النقاط عينها التي يتذرع بها مسعود بولس للمطالبة بهدنة التسعين يوما.