آخر الأخبار

قراءة في قصيدة (اظنًك عرفتي ) كلمات المسرحي والشاعر السوداني جمال حسن سعيد

إحسان الله عثمان – مقيم في أبو ظبي:

قراءة تفكيكية متواضعة أمزج فيها بين مساءلة النص وكشف طبقاته الخفية وما وراء المعنى الظاهر، ورؤية انطباعية تنطلق من التلقي الشخصي والإحساس الجمالي والتفاعلي

تُعتبر (أظنك عرفتي) واحدة من النماذج النادرة في الشعر الغنائي السوداني تتميز بالمشهد الدرامي ومحاور فنية ودلالية مما يشير إلى تأثر الشاعر بخلفيته المسرحية في صياغة القصيدة

النص يعتمد الحوارية؛ (أنا) (المغني- الشاعر) و(أنتِ) والمخاطبة المستمرة بـ (أظنك عرفتي) وتنقلات النص بين المونولوج الداخلي والبوح المشحون بالحركة والإثارة (العواصف، المهب، النهر، الحصان المعربد) كلها تمنح القصيدة حيوية المشهد المسرحي المتكامل وجغرافيا العاطفة ومفردات الطبيعة.

القصيدة تأملات عميقة وخواطر تنطق بما يتجاوز المعنى الشخصي إلى تخوم التجربة الإنسانية ومن هذا الأفق يمكننا قراءة القصيدة ضمن ثيمات الفراق والاغتراب تتشكل عبرها هموم الرحيل ومراحل السفر والصور المحملة بثقل الفقد واطياف الذكرى والتمني.

أظنك عرفتي .. في هذه المساحة الصغيرة بين اليقين والظن يسكن النص معلقا بين الحيرة والاعتراف في فضاء عواصفك (اباري)خيالك مكانا للتأمل يسوقني (ويودًي)

اﻇﻨﻚ ﻋﺮﻓﺘﻰ

ﻋﻮﺍﺻﻔﻚ ﻣﻬﺒـّﻰ

ﺃﺑﺎﺭﻯ ﻓي ﺧﻴﺎﻟﻚ

ﻳﺴﻮﻗﻨي ﻭﻳﻮﺩّي

ﻭﻧﻬﺮﻙ ﻳﻌﺪي

ﻭﻳﺠﻬﻞ ﻣﺼﺒّي

ابحر مسافرا في نهر تائه مجهول المصب؛ من أجمل صور القصيدة التي يصعب الاقتراب منها بالشرح الأكاديمي وحده؛ لأنها لا تُقرأ من خارجها بقدر ما تُعاش من داخلها فالشاعر لا يكتب عن الحنين والرحيل بوصفهما موضوعين منفصلين وإنما تنقلات وحركة عبر جغرافيا الروح ثم يأتي مصطفى سيد أحمد ليمنحها جسدا وذاكرة.

واللافت أن لغة النص سودانية في نبضها لا في مفرداتها فحسب فالكلمات مثل بتزرع، بيربي، بتصحى، تساور، يزاور، بتجزع، بتهرع تحمل إيقاع الخطاب الحميم في الحياة اليومية.. يوظف في القصيدة فيرتفع بها إلى مقامات شعرية وموسيقية شديدة الرهافة فتصبح جزءًا من جماليات الأغنية تمنح الحزن ملمسا محليا شديد الصدق عميق الدلالة.

هواجسي البتزرع

وظني البيربي

مصطفى سيد أحمد… الشريك الكامن في لحن القصيدة ؛ بصوته أعاد توزيع الألم والحيرة بين الحروف والكلمات.. ويصبح تكرار المقاطع اعترافا،  والمدّ الصوتي انتظارا والوقفة بين الكلمات استراحة للذاكرة المرهقة وكأنه يبحث عنها في مكان عميق من نفسه.. هناك خشونة خفيفة وانكسار ومسافة بين النبرة والعبارة والعبرة.

 

ﻟﻘﻴﺘﻚ ﺧﻮﺍﻃﺮ

ﺑﺘﺼﺤﻰ .. ﻭﺗﺴﺎﻭﺭ

ﻭﻃﻴﻔﻚ ﻳﺰﺍﻭﺭ

ﻭﺭﻭﺣﻚ ﺗﺤﺎﻭﺭ

ﺗﺠﻴﺒﻨﻰ ﻓﻰ ﺯﻣﺎﻧﻚ

ﻣﻮﺷـّﺢ ﺃﺳﺎﻭﺭ

الاستفاقة الموجعة حيث الجرح حي لا يموت؛ أقول بس نسيتك وجرحك (يتاور) مفردة بالعامية السودانية تعبر عن الألم المفاجئ الملحاح الذي يرفض الخضوع للنسيان يظل خاطرة وطيف وروحك تحاورني تجيبني في  زمانك موشحا بالاساور. أقول نسيتك لكن (كيف) مع الجرح (البتاور)

أقول بس نسيتك

وجرحك يتاور

حين يصبح الفن وجعا يردد قسوة التجني يتحول النص من شكوى الجرح (البتاور) ليحكي عن عذاب المغني، صورة شديدة القسوة والجمال في آن واحد فالطبل لم يعد ايقاعا للفرح .. شيء “مجدّع” متناثر يحمل شظايا التمني والحروف جزعة في لحظات التجني ..والخطاوي البتهرع بلا طمأنينة

أظنك عرفتي

عذاب المغنًى

وطبلو المجدًع

شظايا التمنًى

ﺣﺮﻭﻓﻮ ﺍﻟﺒﺘﺠﺰﻉ

ﻓﻰ ﻟﺤﻈﺔ ﺗﺠﻨﻰ

ﺧﻄﺎﻫﻮ ﺍﻟﺒﺘﻬﺮﻉ

ﻣﺘﻴﻦ ﺗﻄﻤﺌﻨﻰ

الانتقال المفاجئ إلى صورة الفارس والرحيل..في ختام القصيدة تتجلى الرمزية في أبهى صورها؛ حصاني (القبيل) الكان معربد غبارو خلاص (خلّى) الصهيل والقوة .. وبالسفر وفقدان الدليل تختصر القصيدة نفسها في (هموم الرحيل).. أظنك عرفتي

ﻣﺴﺮِّﺝ ﺧﻴﺎﻟﻚ

ﺣﺼﺎﻧﻰ ﺍﻟﻘﺒﻴﻞ

ﻣﻌﺮﺑﺪ ﻏﺒﺎﺭﻭ

ﻭﺧﻠّﻰ ﺍﻟﺼﻬﻴﻞ

مسافر .. ﻣﺴﺎﻓﺮ

ﻭﻓﺎﻗد ﺩﻟﻴﻞ

اظنك عرفتي

هموم الرحيل

لا يمكن فصل القراءة النقدية للنص عن أداء مصطفى سيد أحمد؛ فقد التقط الفنان الراحل الجو النفسي المشحون بالتوتر داخل القصيدة. تكراره جملة “أظنك عرفتي” جاء كنوع من الاسترجاع اللحني والدرامي لتأكيد الاستفهامات وتحويل الأغنية من مجرد عمل رومانسي إلى نشيد إنساني يعبر عن الغربة والمجهول وذاكرة فقد ورحيل بلغة تخبئ وراء بساطتها عالما من الصور والمعاني.