انفصال
ليلى مهيدرة – المغرب:
الطريق العام فارغ إلا من قطط متشردة، الأضواء خافتة، أو خيل لي، لا أصوات لا ضجيج ولا عابرين، وأنا والحقيبة نحاول الاختباء من لا أحد، كان صوته وهو بداخلها يعلو وكنت أزجره في كل لحظة بركلة من رجلي اليسرى، تحول صراخه لاستعطاف، لا يهم، قراري هذه المرة حاسم أضعه في أي مكان منزو وأعود لبيتي
لم تكن الحقيبة ثقيلة جدا كما توقعت وما كنت لأهتم بالأمر لو كانت كذلك، فكل ما يشغلني الآن هو أن أعرج بها على أول زقاق مظلم لأضعها هناك ثم أنسحب،اللعنة عليك أنت الذي ترغمني للمرة الألف أن أحملك محاولة التخلص منك قرب أول حاوية للأزبال وفي كل مرة أتردد وأمعن للصبر وهو يذكرني بشظايا أفكار كنا قد تقاسمناها عنوة ومزاحات، مزاحات
من قال ذلك؟؟ فمتى كنت بشوشا حتى تمازحني أو أفعل أنا وكل مشاكل العالم التي تخصك والتي لا تخصك تستعرضها علي كل ليلة وكلما جمعتنا وسادة واحدة لتقتل شوقي للاختلاء بك حتى رأيتني مرارا أدس سكينا تحت فراشي لعلي أنال منك وأنت غارق في سباتك ويسترقني النوم قبلك لأجدك توقظني في الصباح بوجه مكفهر يستعرض واجبات يوم كامل من التعاسة، واليوم تعدني بحياة أفضل لو تعقلت قليلا وأذعنت لك
ما كنت أتصورني قادرة على اتخاذ هذا القرار يوما وأن أحملك بحقيبتي كما أفعل الآن وأن أتلصص على الشوارع متى اشتد سوادها وسواد جوفي قبلها وقد استوقفتني لساعات أمام المرآة أُقنعني بارتداء كل ما قد لا يدل على هويتي ولأخرج أخيرا بهندامي المعتاد كنوع من الا تستر فالأشياء العادية هي الأقل إثارة للانتباه دوما.
المسافة بين أعلى قمم في وقدمي تباعدت لتشكل حلقة مفرغة من الضياع ومع ذلك يزداد الإصرار بداخلي وكلما استفزتني الاستفسارات إلا وقمعت صخبها وأكملت مسيري وأنا أوهم نفسي أن كل الدروب التي عبرتها قسرا كانت غير كفء لك، لوهلة تخيلت قطط الشارع تقتسمك في وجبة دسمة فيشتد إصراري على الابتعاد بك أكثر والبحث عن مكان خال.
كم غريب أن يقتتل الحرص واللا حرص بداخلنا ليشكل صراعا لا أحد يدرك كنهه. طبعا لا يمكنني بعد كل هذه العشرة بيننا وكل هذه العمر الذي شاركتني أدق تفاصيله أن أتخلى عنك لقطط الشارع ولا حتى أن أرميك بحاوية أزبال. ربما قرب جامع أفضل لي ولك ولمؤذن الفجر أن يفعل بك ما يشاء. من يدري قد يسمح لك بأن تحتل ركنا تتعبد إلى آخر يوم من حياتك لعلك تكفر عن ذنوبك في حقي.
لكن ماذا لو أسلمك للشرطة. قد يكتشفون أمري.
يسألني الضابط
لم؟
أفكاره لا تعجبني
وهل هذا سبب كاف لترتكبي هذا الجرم الفادح؟
:القاضي بصوت قوي
حكم عليك بحمله فوق كتفيك إلى آخر يوم من عمرك، تبتسم في سرك وتعلو عينيك نفس النظرة المتهكمة، أعود بك من جديد وأنا أجر خيبتي
أسلم جسدي المتعب على أول كرسي، أغفو قليلا
توقظني هذه المرة وقد أدركت أن حياتنا المشتركة أصبحت مستحيلة وتخيرني وقد عقدت حبلا في السقف، تغمزني لكي أمد يدي للتأكد من قوته، أستجيب دون اكتراث، لعلنا ننجح هذه المرة في انفصال كلي، تمتد يدي للكرسي الخشبي الذي عادة ما شهد خصامنا، أحسه هو الآخر يغريني بالصعود فوقه، يقبض الحبل على المنطقة الفاصلة بين كلينا، ينفلت الكرسي بعيدا، تتمدد قدماي لعلهما تساعداني في التحرر منك يحكم الحبل قبضته على عنقي أستسلم له ونعلن الهدنة أخيرا يرتاح جسدي المنهك وتظل ملتصقا به وبي أيها الرأس اللعين