
لا خير فينا إن لم نقلها ( ١١ )
د.عبدالله محيي الدين الجنايني
*إن هذا الصمت في الرأي العام الأمريكي حيال قهر الحرية وتشريد شعب السودان ونهب ممتلكاته وتهجير أكثر من عشرة ملايين – قسراً – من مدنهم وقراهم والإبادة الجماعي في دارفور والجزيرة يجعلنا نتساءل هل تخذل أمريكا قيمها التي آمنت بها؟
*تُطل (سيدة الحرية) شامخةً فوق ميناء نيويورك، رمزاً للأمل والحرية والفرص التي تَعِدُ بها العالم المتحرر من قهر الدول التي سلبته خيراته ونهبت ثرواته وجعلته تحت وصايتها وحكمها المستبد عشرات السنين.
*لكن مشهداً آخر، قاتماً ومُظلِماً، يتجلى على بُعدِ آلاف الأميال، في السودان، حيث تتعرض حياة ملايين البشر للخطر جراء حربٍ أهلية مدمرة, فهل يمكن أن تتناقض صورة أمريكا المشرقة كمدافعة عن حقوق الإنسان مع صمتها المُريب إزاء جرائم الحرب التي ترتكبها ماليشيا الدعم السريع ضد الشعب السوداني؟.
*في قلب هذه الأزمة، تُوجَد دولة تُزوّد بالأسلحة ماليشيا متمردة على قوانين الإنضباط في الجيش الوطني وتعمل على تفكيك الجيش الوطني لدولة السودان، فتُسهم هذه الدويلة في تغذية صراعٍ أودى بحياة آلاف الأبرياء، وشَرَّد أكثر من عشرة ملايين سوداني لاجئ، وحوّل حياة ملايين آخرين إلى جحيمٍ مُريع.
*إن المشكلة تكمن في صمت الإدارة الأمريكية، التي يرأسها الرئيس بايدن والذي لم يتبق لولايته سوى أيام تلك الإدارة التي لم تُصدر أي عقوبةٍ أو تدابيرٍ رادعةٍ ضدّ هذه الدولة، رغم توفر الأدلة الكافية على تورطها في انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان، بدءاً من إمداد الميليشيات المسلحة بالسلاح وصولاً إلى جرائم حرب تشمل القتل العمد، والاغتصاب، والتعذيب، ونهب الممتلكات، وتدمير البنية التحتية
يُثير هذا الصمت تساؤلات مُهمّةً حول فعالية المنظمات الدولية، ودور الولايات المتحدة الأمريكية، كقوةٍ عظمى تدّعي إلتزامها بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
*إن وجود مقر الأمم المتحدة على أرضها، وكثرة الجمعيات والمنظمات الحقوقية على أراضيها، يُبرز تناقضاً صارخاً بين المُثل العليا الأمريكية وسياسة إدارة الرئيس بايدن الخارجية الفعلية إزاء السودان, يُعزى هذا التناقض، جزئياً، إلى تعقيداتٍ جيوسياسيةٍ مُتعددة, فقد تخشى الإدارة الأمريكية من أن تُؤدّي عقوبات مُشددة ضدّ هذه الدولة إلى التأثير على مصالحها في الإقليم، أو تُعقّد الجهود الدبلوماسية المُتعلقة بصراعات أخرى لحلفاء أوربيين. لكنّ هذا التفسير لا يُبرّر أن تضحي الولايات المتحدة الأمريكية بقيمها في الحرية وحقوق الإنسان، بل ربما يعتبر الرأي العام المتشكل في كثير من الدول, أن هذا السلوك يعتبر التواطؤ الفعلي مع دول تُمارس جرائم حربٍ بحق شعبٍ أعزل تقتله حمى الضنك والتيفويد وحرمان ماليشيا الدعم السريع له من العلاج حتى فتكت به حمى الملاريا.
*بل أكثر من ذلك فإنّ هذا الصمت يُرسِّخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويُشجّع دولاً أخرى على اتباع النهج نفسه, فإذا كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم تتغاضى النظر عن جرائمٍ بهذه الخطورة، فماذا يُمكن أن نتوقّع من الدول الأخرى؟.
*هل يُصبح القتل الجماعي والتشريد والتعذيب مجرد كلفةٍ مقبولةٍ لتحقيق أهدافٍ جيوسياسية ضيقة؟ أو هوايات لسفك الدماء عند حكام أغنياء يستغلون ثروات شعوبهم ضد الإنسانية والسلام الإجتماعي لمجتمع سكان الأرض؟.
*يُشير هذا الموقف أيضاً إلى فشلٍ في تشكيل الرأي العام الأمريكي بشكلٍ فعّال… فبينما تُثير جرائم حربٍ في مناطق أخرى من العالم ردود أفعالٍ غاضبة في المجتمع الأمريكي، يبقى الصمت هو السمة المُسيطرة على النقاش العام حول الوضع في السودان. وليس من الواضح ما إذا كان هذا يعود إلى نقصٍ في التغطية الإعلامية للإعلام السوداني، أم إلى إخفاقٍ في ربط المعاناة الإنسانية في السودان بقيم الحرية والعدالة التي تُمثلها أمريكا.
*إن الصمت الأمريكي إزاء جرائم الحرب في السودان يمثل إختباراً حقيقياً لالتزامها بقيمها المُعلَنة
فهل ستبقى منظمات حقوق الإنسان في الدولة “سيدة الحرية” شاهدة صامتة على معاناة شعبٍ مُعذَّب، أم ستُلهم حكومتها للتحرّك دفاعاً عن العدالة وحقوق الإنسان؟.
*يُعتبَر هذا السؤال مُحوريّاً ليس فقط بالنسبة للسودان، بل بالنسبة لمستقبل النظام الدولي القائم على إحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. فالاستجابة ستحدد ما إذا كانت أمريكا تُمثّل بالفعل رمزاً للحرية، أم أنها مجرد مظهر فاخر يخفي وراءه مصالح نفعية ضيقة.
وتكون قد ضاعت قيم إبراهام لنكولن وأنصار الحرية عند قادة لم يتفهموا النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان.